بسم الله الرحمن الرحيم

 

رئاسة السلطة القضائية

المكتب الفني والبحث العلمي

 

 

النمرة: م . ف /عمومي/1/4

التاريخ: 3/ أبريـل/ 2005م

 

منشور جنائي رقم  {2/ لسنة 2005م }

 

الموضوع: السياسة العقابية فيما يتعلق بجرائم تزوير

الأوراق الثبوتية والمستندات الرسمية الأخرى

 

لقد ازدادت في الآونة الأخيرة جرائم تزوير المحررات الرسمية وبوجه خاص الأوراق الثبوتية وبالرغم من خطورة هذا النوع من الجرائم والخطورة الإجرامية الكامنة في مرتكبيه ، إلا أن التفريد العقابي أمام بعض المحاكم ظل أحياناً يجنح نحو اللين وتجلى ذلك في مظاهر عديدة أبرزها اللجوء إلى استخدام سلطة المحكمة في وقف تنفيذ العقوبة بموجب المادة (170) إجراءات جنائية وتوقيع عقوبات أسميه والاكتفاء أحياناً - بعقوبة الغرامة رغم إلزامية عقوبة السجن وفق نص المادة (123) من القانون الجنائي لسنة 1991م .

عليه وإعمالاً لنص المادة (11) من لائحة تنظيم العمل القضائي لسنة 1996م ، أوجه كافة المحاكم الجنائية بمختلف درجاتها إلى ضرورة مراعاة ما يلي من موجهات عامة عند تقدير العقوبة في جرائم التزوير في المستندات وبالأخص الوثائق الثبوتية:-

أولاً: إن عقوبة السجن عقوبة وجوبية عند الإدانة بموجب المادة (123) من القانون الجنائي لسنة 1991م وليست خياراً للمحكمة سواء كان المستند المزور رسمياً أم عادياً.

ثانياً: كون الجاني موظفاً عاماً ارتكب الفعل في سياق وظيفته يعتبر ظرفاً مشدداً يؤخذ في الاعتبار عند تقدير العقوبة.

ثالثاً: في جميع الأحوال يتعين على المحاكم أن تأخذ في الاعتبار كل متطلبات المادة (39) من القانون الجنائي لسنة 1991م عند تقدير العقوبة وبوجه خاص يجب مراعاة ما يلي كظرف مشدد للعقوبة:

(أ) كون المستند المزور وثيقة رسمية تصدر عن جهة رسمية ترتب آثاراً قانونية هامة.

(ب) كون الجريمة المرتكبة جريمة منظمة ارتكبت في إطار مشروع إجرامي فردي أو مشترك وليست عملاً فردياً طائشاً ينم عن مجرد الرعونة وسوء التقدير.

(ج) عند تقدير خطورة الفعل والجاني يجب أن تضع المحاكم في الاعتبار أهمية الوثيقة التي طالها التزوير والقصد من التزوير ونوع الضرر الناجم عنه ومقداره ومقدار النفع غير المشروع المترتب على الفعل.

رابعاً: إذا كان الجاني في الجريمة تحت المادة (123) ق.ج لسنة 1991م موظفاً عاماً ارتكب الفعل في سياق وظيفته ، فليس سليماً تطبيق المادة (170) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م لأن عقوبة السجن المقررة في هذه الحالة تزيد على السنوات الخمس.

 

صدر تحت توقيعي في اليوم الرابع والعشرين  من شهر صفر عام 1426هـ

الموافـــق اليوم الثــــالث من شهر  أبريـــــــل عام 2005م

 

جلال الدين محمد عثمان

رئيس القضاء

----------------------------------------------------

بسم الله الرحمن الرحيم

 

رئاسة السلطة القضائية

المكتب الفني والبحث العلمي

 

 

 

النمرة: م . ف /عمومي/1/4

التاريخ: 27 جمادي الثانية 1426هـ

الموافق: 4/ أغسطس/ 2005م

 

منشور جنائي رقم  {  3  / لسنة 2005م }

 

الموضوع: إجراءات محاكمة الافعال التي تقع

      أثناء تأدية الواجب

 

قال تعالى: "  يا داؤد إنا جعلناك خليفةً في الأرض ، فاحكم بين الناس بالحق ، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله  "

 

إن قوام استخلاف الإنسان في الأرض ، يرتكز على عمدين ؛ أولهما: عدل القضاء ؛ وثانيهما: سياسة العباد بمنهج يوائم بين ضرورات صيانة الأنفس والأعراض  والأموال؛ وضرورة بسط أمن المجتمع وحمايته ؛ فرضاً لهيبة الدولة التي كفلها القانون ؛ حيث إن القاعدة الأساسية تقضي بأن الفعل لا يعد جريمةً ما دام ضرورياً لحماية الجماعة ومصالحها وكان وفقاً لمقتضيات الواجب والقانون. ولا يتأتى ذلك إلا بسن ما تتغلب به المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ؛ وتلك الرؤية هي التي تصدر على ضوئها القوانين التي تحمي أمن الوطن والمواطن؛ وقد صدرت على نسقها المنشورات الجنائية التي تنظم محاكمة الافعال التي تقع أثناء تأدية الواجب ، إذ عنى المنشوران الجنائيان رقم {68} بتاريخ 9/6/1974م ورقم {78} بتاريخ 3/7/1980م بإعطاء عناية خاصة لإجراءات محاكمة الجرائم المذكورة.

ومن المعلوم أن تلك المنشورات قد صدرت في ظل ولاية القضاة لإجراءات ما قبل المحاكمة ؛ وبعد أيلولة تلك الولاية إلى النيابة العامة ؛ فقد صدر منشور وزير العدل رقم 1/2005م بتاريخ 3/8/2005م متضمناً ذات المعاني الواردة في المنشورات الجنائية المشار إليها.

ولا مراء في أن تلك المنشورات الجنائية في مجملها قد قصدت – وبصفةٍ أخص - إلى بيان التدابير التي كفلها القانون لحماية أفراد القوات النظامية فيما يقع منهم أثناء تأدية واجبهم أو بسبب أدائهم للواجب ؛ بما يمكنهم من أداء ذلك الواجب بلوغاً لحماية أمن المجتمع وبسطاً لهيبة القانون وصيانةً لسلامة البلاد والعباد وحفاظاً على الأنفس والأعراض والأموال دونما تقاعس.

ووصلاً لما أرسته المنشورات الجنائية الآنفة الذكر ، وبياناً لبعض أحكام الباب الثاني من القانون الجنائي لسنة 1991م بشأن أحكام المسئولية الجنائية .. فإنني أوجه السادة القضاة بما يلي:-

أولاً: تصويب المزيد من دقة النظر في الوقائع المرفوعة بها الدعوى في الجرائم التي تقع من فاقدي أهلية المسئولية الجنائية وفي الجرائم التي تقع من سائر الأشخاص أثناء تأديتهم لواجبهم  الذي يخوله لهم القانون ؛ أو أي أمر مشروع صادر من السلطة المختصة .. وفيما يقع منهم بحسن نية  حال اعتقادهم أنهم ملزمون به قانوناً ؛ أو حال ممارستهم لحقٍ أو لمقتضيات ضرورةٍ يكفلها القانون ؛ إذ أنه ليس خافياً أن الفعل لا تترتب عليه مسئولية جنائية في الأحوال الآنفة الذكر ، ما دام قد حدث في حدود ما رسمه القانون.

 

ثانياً: ضرورة التأكد من استيفاء الدعوى لإجراءات الاستقصاء والتحقيق المقررة قانوناً وفقاً لأحكام المادة (35) منه قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – وغيرها من المواد – ووفقاً لقواعد المنشورات الجنائية ذات العلاقة.

 

ثالثاً: العناية بمناقشة أحكام المسئولية الجنائية فيما يقع من الأشخاص أثناء تأديتهم لواجبهم ، أو بسبب أدائهم له – وبخاصة أحكام المواد 11 و12 و15 و18 من الباب الثاني من القانون الجنائي لسنة 1991م ، وصولاً إلى الحقيقة الواقعية التي تتبدى بجلاء بصنو هذه المناقشة ؛ وباستصحاب مناقشة أحكام المواد الأخرى التي تخول سلطات من قبيل المنصوص عنها بالمادة 129/أ من قانون الإجراءات الجنائية – وغيرها-.

 

إنه ليس ثمة غناء عن العناية بالقواعد المشار إليها آنفاً ، ولا يخفى على أحد  أن قيام الأشخاص بأداء الواجب أو ممارستهم لحق شرعي أو لما تفرضه عليهم الضرورة ، قد يتمخض أحياناً عن تجاوز لقدر أداء الواجب أو لممارسة الحق أو لقدر الضرورة ، فيلزم والحال هذا مراعاة الضوابط الآنفة الذكر ، والنفاذ إلى حقيقة القصد =الركن المعنوي= للفعل محل المحاكمة ، ثم مراعاة مقتضيات أداء الواجب بما يكفل أمن البلاد والعباد وبما يصون الدماء والأعراض والأموال.

 

وفقنا الله جميعاً لإرساء دعائم عدلٍ مشرقٍ يبعث الأمن والطمأنينة في الأنفس وفي أرجاء البلاد كافة.

 

جلال الدين محمد عثمان

رئيس القضاء

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الهيئة القضائية

 

 

 

توجيه قضائي رقم  {  1  / لسنة 2005م }

 

الموضوع: تنفيذ الأحكام وفقاً لقانون

      الطفل لسنة 2004م

 

 

أفرد قانون الطفل لسنة 2004م إجراءات خاصة تلي إصدار الحكم بإيداع الطفل في دار تربية ؛ حيث ألزم في المادة (79) منه مكاتب الخدمة الاجتماعية بدور التربية برفع تقارير دورية كل ثلاثة أشهر عن تطور سلوك الطفل وعلى ضوء هذه التقارير وما يرد فيها من توصيات يجوز لمحكمة الطفل تعديل التدبير حيال الطفل وإصدار ما تراه مناسباً.

ولما كانت دور التربية بولاية الخرطوم تستقبل أطفالاً بموجب أحكام وأوامر  من محاكم ولايات السودان المختلفة عدا ولايات دارفور تعزر بسبب هذا على تلك المحاكم ودور التربية بالخرطوم تطبيق نص المادة 79 من قانون الطفل.

أوجه عملاً بنص المادة (31/3) من قانون الإجراءات الجنائية وتنفيذاً لما نصت عليه المادة  (79) من قانون الطفل أوجه بإحالة نظر تقارير مكاتب الخدمة الاجتماعية عن الأطفال الذين تم إيداعهم في دور تربية ولاية الخرطوم بموجب أحكام أو أوامر صادرة من محاكم خارج ولاية الخرطوم إلى محكمتي أحداث الخرطوم – والخرطوم بحري لتباشر الإجراءات التي تلي إصدار الحكم أو الأمر بالإيداع في دار التربية المنصوص عليها في المادة (79) من القانون  لتصدر ما تراه مناسباً وفقاً له .

ويجوز لمحكمتي أحداث الخرطوم والخرطوم بحري عند الضرورة طلب محضر الدعوى الجنائية المتعلقة بالحكم أو الأمر بالإيداع في دار التربية .   

 

صدر تحت توقيعي في اليوم الحادي والعشرين من شهر رجب  عام 1426هـ

الموافق اليوم الخامس والعشرين  من شهر أغسطس عام 2005م

 

جلال الدين محمد عثمان

رئيس القضاء

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

رئاسة الهيئة القضائية

المكتب الفني والبحث العلمي

 

 

النمرة: م . ف /عمومي/16/4

التاريخ: 24  / ذو القعدة/ 1426هـ

الموافق: 26  / ديسمبر /2005م

 

 

توجيه   قضائي  رقم  {2/ لسنة 2005م }

 

 

لقد درجت بعض المحاكم الجنائية على عدم إحاطة سلطات السجون بمنطوق الأحكام الجنائية كاملاً ، حيث أنها تقتصر في أوامر السجن على بيان عقوبة الحبس المحكوم بها ، دون بيان شق الحكم الجنائي المتعلق بالدية أو التعويض أو الحق الذي أمر الحكم بردّه ، ودون بيان الأوامر الأخرى المضمنة في الحكم الجنائي. وذلك كله رغم أن (الأنموذج رقم 32) قد تضمن فقرة لبيان (تفاصيل الحكم)، مما يلزم معه تدوين كل تفاصيل منطوق الحكم الجنائي.

ومما نجم عن هذا النوع من عدم البيان ، قيام سلطات السجون مراراً بالتوصية لدى سعادة رئيس الجمهورية ، بإسقاط العقوبة عن بعض النزلاء المحكوم عليهم بالحبس ، رغم انشغال ذمتهم بحقوق خاصة يلزم استيفاؤها قبل إطلاق سراحهم ، ولا يخفى ما يترتب على إطلاق سراحهم بناءً على الإسقاط من صعوبات.

وحتى يتسنى لسلطات السجون الالتزام بتطبيق أحكام المادة (208/2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ، عند تقديم أية توصيات إلى سعادة رئيس الجمهورية، وتفادياً للصعوبات التي تنجم عن إطلاق سراح مثل أولئك النزلاء المحكوم عليهم بعقوبات الحبس وبأداء حقوق خاصة ، قبل استيفاء تلك الحقوق.

فإننا نوجه محاكم الجنايات بملء أنموذج أوامر الحبس مشتملاً تفاصيل منطوق الحكم، مع إرسال صورة من منطوق الحكم الجنائي لسلطات السجن ، تمكيناً لها من اتخاذ أي إجراء وفقاً للقانون.

 

صدر تحت توقيعي في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة  عام 1426هـ

المــوافق اليـــوم السادس والعشرين من ديســـمبر  عام 2005م

 

جلال الدين محمد عثمان

رئيس القضاء

معنون إلى:-

السادة رؤساء الأجهزة القضائية والمحاكم كافة

إدارة السجون


بسم الله الرحمن الرحيم

 

رئاسة السلطة القضائية

المكتب الفني والبحث العلمي

 

 

الرقم: م . ف /عمومي/2/4

التاريخ: 28/ أغسطس/ 2009م

 

{مذكرة بمقترح تعديل نصاب السرقة الحدية}

 


{1} تمهيد:

نصاب السرقة الحدية –أو مقدار المال الذي يوجب سرقته، قطع يد السارق، تحكمه المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م ونصها: " يكون النصاب ديناراً من الذهب يزن (4.25 جراماً) أو قيمته من النقود، وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء بعد التشاور مع الجهات المختصة".

ولقد درج رؤساء القضاء في ظل قانون العقوبات السوداني لسنة 1983م والقانون الجنائي لسنة 1991م ومنذ صدور المنشور الجنائي رقم 86/لسنة 1983م ولواحقه في سنوات 1991م  و1994م و1996م و2004م ، درجوا على تقدير قيمة نصاب السرقة الحدّية بالنظر إلى قيمة الذهب الخالص في بلادنا.

ويعكس صورةً واضحةً عن ذلك  ما هو معمول به اليوم بموجب المنشور الجنائي رقم 2/لسنة 2004م  ومذكرته التفسيرية، حيث عدلت بموجبه قيمة نصاب السرقة الحدّية إلى مبلغ أربعة عشر ألف وخمسة وعشرين ديناراً سودانياً – أي ما يعادل مائة وأربعين جنيهاً وخمسة وعشرين قرشاً بالعملة الحالية-.

 

 

{2} عدم مناسبة قيمة النصاب المعمول بها،

      وعدم مناسبة القيمة الموازية لسعر الذهب حالياً

 

بلا مراء فإن قيمة النصاب المعمول به، وهو مبلغ مائة وأربعين جنيهاً لا يتناسب لإنفاذ حدّ القطع، بل إنه لا يتسق أصلاً مع ضوابط نصاب السرقة الحدّية، وذلك ما جعل السلطة القضائية تعتزم على تعديل قيمة نصاب السرقة الحدّية، وفقاً للمنهج المتبع في تقويم النصاب المنصوص عليه بالمادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م، وبإجراء التشاور مع الأجهزة المختصة ذات الخبرة والمعرفة بأسعار الذهب، تبيّن أن الحال بعد التعديل لن يتجاوز ما هو عليه إلاَّ يسيراً، وبأنه سيظل غير متناسبٍ مع الضوابط الشرعية المقررة والتي يلزم مراعاتها عند تقدير نصاب السرقة الحدّية. حيث ورد إلينا كتاب شيخ الصاغة رقم ش ص ع ق المؤرخ في 9/7/2009م بأن:-" سعر جرام الذهب الخالص عيار (24) بنقاء (99.9%) يساوي (78 جنيهاً) وسعر جرام الذهب الخالص عيار (21) بنقاء (87.5%) يساوي (68 جنيهاً) وسعر جرام الذهب الخالص عيار (18) (75%) يساوي (55جنيهاً) علماً بأن أسعار العيارات المذكورة أعلاه تتغير بين كل فترةٍ وأخرى حسب البورصة العالمية" انتهى-.

بناءً عليه: وباستبعاد الذهب عيار (18) أخذاً بالاحتياط –بترك السعر الأدنى-، فإن قيمة نصاب السرقة الحدية بموجب سعر الجرام من الذهب عيار (21) يكون مبلغ (279ج) مائتين وتسعة وسبعين جنيهاً، ولا يسوغ أن يجعل هذا المبلغ نصاباً يوجب قطع يد السارق، وإذا ذهبنا إلى غاية الحيطة وأخذنا بتقدير النصاب على ضوء سعر الجرام من الذهب الخالص عيار (24) فإن قيمة نصاب السرقة الحدّية يكون مبلغ ثلاثمائة وإحدى وثلاثين جنيهاً وخمسين قرشاً، وهو غير متناسبٍ ولا متسق مع ضوابط تقويم نصاب السرقة الحدّية، علماً بأن هذه التقديرات قد جاءت وقت غلاء الذهب، وحيث عبّر شيخ الصاغة عن عدم استقرار سعر الذهب، فقد ينخفض السعر في وقت وجيز، فيورث ذلك شبهة دارئة للحد، أو يدعونا إلى إصدار تعديلات متفاوتة لقيمة نصاب السرقة الحدّية، وفي أوقات متقاربة، وذلك يحدث اضطراباً في العمل القضائي-. وعليه وعلى ضوء ما ذكر، نرى لزوم العدول عن المنهج الذي كان سارياً في تقدير نصاب السرقة الحدية، وتبياناً لمعالم المنهج الذي نحسبه الأسدَّ، نوجز فيما يلي الضوابط التي يجب مراعاتها في تقدير نصاب السرقة الحدية.

 

{3} الضوابط التي يجب مراعاتها في تقدير نصاب السرقة الحدّية:

 

 


" الضوابط التي يجب مراعاتها في تقدير النصاب هي :-"

(أ) عدم إيجاب القطع عند سرقة الشيء التافه:-

     وعدم  القطع في الشيء التافه سنده حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " ما كانت اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه" { راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني جزء 12 صفحة 117 طبعة دار الحديث/ القاهرة سنة 1998م وراجع الحاوي الكبير للمارودي جزء 13 صفحة 274 طبعة دار الكتب العلمية/ بيروت سنة 1994م }. وفي حديث هشام ابن عروة عن أبيه : "أن يد السارق لم تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الشيء التافه" {رواه البيهقي في السنن الكبرى في كتاب السرقة جماع أبواب القطع في السرقة}.  ويصدق معنى {الشيء التافه} في كل مالٍ قليلٍ لا يعبأ به لحقارته، وكل مالٍ لا يتمول عادةً، قال الكاساني : " ... ... (يشترط في المسروق) أن يكون مالاً مطلقاً، لا قصور في ماليته ولا شبهة، وهو أن يكون مما يتموله الناس، ويعدونه مالاً؛ لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه حقير ... ... ولأن التفاهة تخل في الحرز، لأن التافه لا يحرز عادةً، أو لا يحرز إحراز الخطر، ... وكذا (فإن التفاهة) تخل في الركن: وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء؛ لأن أخذ التافه مما لا يستخفى منه ... ... ويعرف (ما كان تافهاً من المال) بالرجوع إلى عرف الناس وعاداتهم " {راجع بدائع الصنائع للكاساني جزء 9 صفحات 4228/4229}.

 

(ب) عدم إيجاب القطع عند سرقة ما يتسارع إليه الفساد:-

     وضابط عدم القطع فيما يتسارع إليه الفساد مستنده ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا قطع في ثمرٍ ولا كثرٍ " {رواه أبو داؤد في سننه في كتاب الحدود باب ما لا قطع فيه، والنسائي في سننه في كتاب قطع السارق باب ما لاقطع فيه وابن ماجه في سننه في كتاب الحدود باب لا يقطع في ثمرٍ ولا كثرٍ  وراجع طرق الحديث في نصب الراية للزيلعي جزء 3 صفحة 361"..

قال السمر قندي في (تحفة الفقهاء):- ... ومنها أن يكون المسروق أعياناً قابلة للادخار والإمساك ولا يتسارع إليها الفساد، حتى لو سرق ثماراً مجذوذةً محرزةً في حظيرةٍ عليها باب مغلق، أو كان ثمة حافظ، ولكن يتسارع إليها الفساد نحو العنب والتين والسفرجل والرطب والبقول: لا يقطع ... ... ووجه قولهم هو أن ما يتسارع إليه الفساد لا يحتمل الادخار، ولا يبقى من سنةٍ إلى سنة ... ... وهو وإن كان صالحاً للاستعمال في الحال، إلاَّ أنه لا يحتمل الإمساك إلى زمان حدوث الحوائج في المستقبل، فقلّ خطرها عند الناس، فكانت تافهة-. {راجع تحفة الفقهاء للسمرقندي جزء3 صفحة 241 وبدائع الصنائع للكاساني جزء 9 صفحات 4232/4233 والبحر الرائق لابن نجيم جزء 5 صفحة 58 وحاشية الدسوقي جزء 4 صفحة 334 والحاوي الكبير للمارودي جزء 13 صفحات 274/275/276 والمغني لابن قدامة جزء 12 صفحة 424}.

 

(ج) الجمع في تحديد نصاب السرقة الحدّية بين ما هو أحفظ لأموال العباد وبين ما هو أدخل في التجاوز عن يسير المال:

ويتحقق هذا الضابط بتوفر قيدين، أولهما: عدم الإفراط بالمغالاة في تقدير النصاب بدرجة قد تعطل تطبيق أحكام حدّ السرقة، وثانيهما: عدم التفريط في شرف العضو، - أي شرف اليد من مفصل الكف- بتقدير النصاب بما يدخل في معنى (الشيء التافه)، ويختلف ما يدخل في معنى الشيء التافه باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس وأعرافهم.

 

(د) مراعاة الاستقرار النقدي:

     فإن كان المال الذي يقوّم به النصاب يتصف باهتزازات القيمة فيصار إلى تحديد النصاب في أزمنة متقاربة، يؤمن فيها ثبات النقد واستقراره، لأن تناقص قيمة النقد - أو المال-جراء أيٍ من المؤثرات الاقتصادية، يعني تناقص قيمة النصاب المقدّر عن قدره الشرعي، وذلك قد يفضي إلى إيجاب حدّ القطع بغير موجب، كما يفضي إلى ابتذال شرف العضو-.

وفي ظل الضوابط الآنفة الذكر مجتمعة يتحقق التقدير  الأمثل لنصاب السرقة الحدّية، ومن ثمّ يتبيّن أن ما عليه العمل وفقاً لأحكام المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م يستلزم إعادة النظر، حيث جاءت المادة الآنفة الذكر خلواً عن جل تلك الضوابط، وآخذةً بمعيار التقدير بالدينار الذهبي، علماً بأن سعر الذهب ليس مستقراً كما تبيّن من إفادة أهل الخبرة المشار إليه آنفاً.

 

تقدير نصاب السرقة الحدّية مسألة اجتهادية:-

 

إن تقدير نصاب السرقة الحدّية يعتبر أمراً اجتهادياً، بدلالة أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قد ساق فيه عشرين رأياً فقهياً، وذلك الاختلاف والتفاوت بين الآراء الفقهية في حدّ ذاته دليل على أن المسألة في تقدير النصاب أمر اجتهادي. حيث ذهب جمهور فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحديد النصاب بربع دينار من الذهب أو بثلاثة دراهم من الفضة، مستدلين بحديث السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً)، وفي راويةٍ للإمام مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقطع يد السارق إلاَّ في ربع دينار فصاعداً) {حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري في كتاب الحدود باب قول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وحديث مسلم في الصحيح في كتاب الحدود باب حدّ السرقة ونصابها}.

أما فقهاء الحنفية فقد ذهبوا إلى تحديد نصاب السرقة الحدّية بدينار من الذهب، أو بعشرة دراهم من الفضة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (قطع يد رجل في مجنٍ قيمته دينار أو عشرة دراهم) { رواه أبو داؤد في سننه في كتاب الحدود باب ما يقطع فيه السارق، ورواه النسائي في سننه في كتاب قطع السارق}. وهذا الرأي هو ما أخذ به القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م في المادة (170/5) منه.

ثمّ تراوح آراء الفقهاء، حتى بلغ عشرين رأياً، بدءاً من قائل بالقطع بسرقة  القليل أو الكثير من المال وهو قول الحسن البصري وداؤد وابن بنت الشافعي والخوارج، لمجئ آية المائدة بالأمر بقطع أيدي السارق والسارقة مطلقاً – بلا تقييد-،  وبلوغاً إلى قائل بالقطع عند بلوغ المال المسروق خمسة دنانير أو خمسين درهماً، وهو رأي سعيد بن جبير، لما روى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: " لا تقطع الخمس إلاّ في خمس" – أي لا تقطع الكف بأصابعه الخمس إلا إذا بلغ المسروق خمسة دنانير – {أخرجه الدار قطني في سننه في كتاب الحدود والديات، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب السرقة في جماع أبواب القطع في السرقة – ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ... وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الحدود باب في السارق من قال يقطع في ... وراجع نسبة القول إلى سعيد بن جبير في تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير جزء 2 صفحة 53}.

وقد روى ذات الأثر عن سليمان بن يسار قال: " لا تقطع  الخمس إلاَّ في خمس" { رواه النسائي في سننه الصغرى –المجتبى- في كتاب قطع السارق، في ذكر اختلاف أبي بكر بن محمد وعبد الله بن أبي بكر}.

وذهب  إبراهيم النخعي إلى تحديد نصاب السرقة الحدية بأربعة دنانير أو بأربعين درهماً. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري بشرح صحيح البخاري): " نقله عياض ومن تبعه عن إبراهيم النخعي: أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهماً أو أربعة دنانير ". { راجع فتح الباري بشرح صحيح البخاري جزء 12 ص120} ولم نجد لهذا الرأي دليلاً في مصادر الحديث وشروحه، ولا فيما أطلعنا عليه من مصنفات الفقه الإسلامي، بل إن الإمام الشوكاني قد علق عليه قائلاً: " وهذا قول لا دليل عليه فيما أعلم". {راجع نيل الأوطار للشوكاني جزء 7 صفحة 131 }، وخلو هذا القول من دليل الأثر – وما ساقه الشوكاني عنه- ينبئان بأن إبراهيم النخعي قد اجتهد رأيه على ضوء معطيات عصره وأحوال الناس في زمانه، وما كان ليفعل ذلك لو لم يكن الأمر اجتهادياً.

وهنالك آراء أخرى عديدة بشأن تحديد نصاب السرقة الحدية ، ساقها الحافظ ابن حجر العسقلاني –في الموضع الآنف ذكره من كتابه (فتح الباري بشرح صحيح البخاري)، وقد بلغ بها عشرين رأياً فقهياً، وخلاصة القول هو أن هذا الاختلاف والتباين في الآراء بين هؤلاء الفقهاء الأجلاء، إنما هو دليل قاطع على أن المسألة في تحديد النصاب اجتهادية، حيث لم يكن ثمة نص قطعي الإسناد قطعي الدلالة، فساغ لهم اجتهاد الرأي والأخذ بما رآه كل منهم صحيحاً من الآثار العديدة التي سبق ذكرها –وغيرها- ولعل الاختلاف في تقويم الدينار والدرهم –وما كان يلابسه من تفاوت أيضاً كان من أسباب ذلك الاختلاف، فضلاً عن أنه اليوم مما يتعذر درك قيمته الفعلية- كما نبيّنه فيما يلي:-

 

التفاوت في قيمة الدينار الذهبي والدرهم:

الدينار الذهبي المنصوص عليه بالمادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م لم يسلم من الاختلاف وتفاوت القيمة، وقد كان الدينار الذهبي عملةً مسكوكة – لا تبراً-، ثمّ كسرت تلك العملة فلم يعد لها وجود اليوم، وكانت هناك دنانير رومية وأخرى دمشقية وبعضها حميرية، وكلها بأوزان مختلفة، كذا في صدر الإسلام، وفي ولاية عبد الملك بن مروان تم ضرب الدنانير الدمشقية، وقام الحجاج بضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطاً من قراريط الدنانير، ويذكر لنا البلاذري في كتابه: (فتوح البلدان) أنه: كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون إلاَّ على أنها تبر ... ... فأقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأقره أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ... ثم ضرب مصعب بن الزبير في أيام عبد الله بن الزبير دراهم قليلة كسرت بعد، وأول من ضرب الدنانير المنقوشة عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين للهجرة، بعد أن كانت ترد الدنانير المضروبة من الذهب من رومية والدراهم الفضية -الكسروية- من بلاد فارس وأن الحجاج بن يوسف ضرب دراهم بغلية سنة خمس وسبعين للهجرة. {راجع كتاب فتوح البلدان للبلاذري جزء صفحات 571-575 }.

وقد كان من الدنانير ما هو خالص وما هو زيوف، وكان الخليفتان عمر وعثمان رضي الله عنهما إذا وجدا الزيوف في بيت المال جعلاها فضةً، وقيل أن ابن مسعود كان يأمر بكسر الزيوف، سدّاً لذريعة الغش (راجع المرجع السابق ج3/576). وفضلاً عن كل ما ذكر فإن ذلك النظام النقدي لم يعد له وجود في عصرنا، وقد كانت الدنانير –على اختلافها- عملةً مسكوكة وليست تبراً، فلا يصدق فيها نظر المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م، ولا المنهج الذي كان متبعاً في تقويم النصاب  وفقاً لها على ضوء سعر جرام الذهب.

 

الخلاصة:

على ضوء كل ما سبق، نرى الأمثل هو تعديل نص المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م على ضوء أحد المقترحين التاليين:-

(1) المقترح الأول:

        يترك أمر تحديد نصاب السرقة الحدّية لرئيس القضاء، ويصدر به منشوراً جنائياً من حين لآخر مراعياً الضوابط الآنف ذكرها، ومراعياً اعتبارات الزمان والمكان وأحوال الناس وأعرافهم.

وبناءً عليه فإن رؤي الأخذ بهذا المقترح فيكون تعديل الفقرة الخامسة من المادة (170) من القانون الجنائي لسنة 1991م على النحو التالي:-

" تلغى الفقرة 5 من المادة (170) من القانون الجنائي لسنة 1991م ويستعاض عنها بالنص التالي:-

{يقدر رئيس القضاء نصاب السرقة الحدّية بمنشور قضائي يصدره من حين لآخر بعد التشاور مع الجهات المختصة، مراعياً فيه الشرائط والضوابط الواجب توفرها في المال المسروق، وآخذاً بما هو أحوط وأنفى للشبهة} ".

(2) المقترح الثاني:

        وفحواه هو الأخذ بأحوط الآراء الفقهية التي سبق الإشارة إليها، وهو رأي سعيد بن جبير، فإن رؤي الأخذ به فيكون نص التعديل المقترح للفقرة الخامسة من المادة (170) من القانون الجنائي لسنة 1991م على النحو التالي:-

" تلغى الفقرة 5 من المادة (170) من القانون الجنائي لسنة 1991م، ويستعاض عنها بالنص التالي:

{ يكون نصاب السرقة الحدية خمسة دنانير من الذهب يزن كل منها (4.25 جراماً) أو قيمتها من النقود وفقاً لما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء، بعد التشاور مع الجهات المختصة}. "

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،

 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

تحريراً في يوم الجمعة السابع من رمضان المعظم سنة 1430هـ

الموافق الثامن والعشرين من شهر أغسطس سنة 2009م

 

 

 

المكتب الفني والبحث العلمي

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

رئاسة السلطة القضائية

المكتب الفني والبحث العلمي

 

 

النمرة: م . ف /عمومي/1/4

التاريخ: 17/ سبتمبر/ 2009م

 

منشور جنائي رقم  {      / لسنة 2009م }

 

الموضوع: تعديل قيمة نصاب السرقة الحدية

 

عملاً بأحكام المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م، وبعد التشاور مع الجهات المختصة، أصدر المنشور الجنائي بالرقم عاليه، بتعديل قيمة نصاب السرقة الحدية المقررة بالمنشور الجنائي رقم 2/2004م على النحو التالي:-

{1} تعدل قيمة نصاب السرقة الحدية إلى مبلغ ألف وخمسمائة جنيه سوداني- بالعملة السارية وقت إصدار هذا المنشور.

{2} يراعى في تطبيق هذا المنشور ، ذات التوجيهات المنصوص عليها بالمنشورات السابقة بالأرقام 1/1994م –وما بعدها- بشأن تقويم المال المسروق وهي تقرأ كالآتي:-

(أ) يجب تقويم المال المسروق بوساطة بينة مكتملة النصاب من ذوي الاختصاص والخبرة.

(ب) ينظر في تقويم المال المسروق إلى قيمته في يوم السرقة-عملاً برأي جمهور الفقهاء-.

{3} يعمل بهذا المنشور اعتباراً من تاريخ اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة 1430هـ، الموافق اليوم السابع عشر من شهر سبتمبر 2009م، على أن يسري التعديل على كل القضايا المنظورة أمام المحاكم بمختلف مراحل الدعاوى بما فيها مرحلة التأييد بوساطة المحكمة العليا.

 

صدر تحت توقيعي في اليوم السابع والعشرين  من شهر رمضان عام 1430هـ

الموافـــق اليوم السابع عشر من شـــهر  سبتمبر  عام 2009م

 

جلال الدين محمد عثمان

رئيس القضاء


بسم الله الرحمن الرحيم

 

{مذكرة تفسيرية للمنشور الجنائي رقم /   2009م}

 


الحمد لله وحده – والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد:

كان المعمول به بدءً من المنشور الجنائي رقم 86/1983م والمنشورات اللاحقة بالأرقام 1/1991م و1/1994م و1/1996م  ثم المنشور الجنائي رقم 2/2004م، بشأن تحديد قيمة نصاب السرقة الحدية هو النظر إلى تحديد القيمة على ضوء السعر المحلي لمقدار (4.25 جراماً) من الذهب الخالص، تأويلاً للدينار الذهبي المنصوص عليه بالمادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م بتلك الزنة، دونما اعتبار لقيمة السك.

إن المادة (170/5) من القانون المذكور تنص بالفعل على أن : " يكون النصاب ديناراً من الذهب، يزن 4.25 جراماً- أو قيمته من النقود، وفق ما يقدره من حين لآخر رئيس القضاء ، بعد التشاور مع الجهات المختصة".

ويتبيَّن لنا أن " الدينار الذهبي " المنصوص عليه بالمادة الآنفة الذكر، كان نقوداً – لا تبراً- بل عملة مسكوكة مبرئةً للذمة في صدر الإسلام، ثم كسرت تلك العملة فلم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر.

يقول البلاذري في كتاب (فتوح البلدان) : " عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيرْ قال: (كانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية، فكانوا لا يتبايعون إلاَّ على أنها تبر ... فأقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأقرَّه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فكان معاوية فأقرَّ ذلك على حاله. ثم ضرب مصعب بن الزبير في أيام عبد الله بن الزبير دراهم قليلة كسرت بعد. فلَّما وُلي عبد الملك بن مروان سأل وفحص عن أمر الدراهم والدنانير، فكتب إلى الحجاج بن يوسف أن يضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطاً من قراريط الدنانير، وضرب هو الدنانير الدمشقية ...". {فتوح البلدان للبلاذري جزء 3 ص 571/572}.

ثم ذكر البلاذري مسترسلاً بأن أول من ضرب الدنانير المنقوشة هو عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين للهجرة، بعد أن كانت ترد الدنانير المضروبة من الذهب من رومية والدراهم الفضية-الكسروية من بلاد فارس، وأن الحجاج بن يوسف ضرب دراهم بغلبة سنة خمس وسبعين للهجرة وكتب عليها (بسم الله) في وجه، وفي الوجه الآخر (الحجاج) ثم كتب عليها بعد سنة (الله أحد. الله الصمد) فكره ذلك الفقهاء فسميت (المكروهة) {راجع كتاب فتوح البلدان جزء 3 ص574/575}.

لقد كانت الدنانير مضروبة من الذهب، وكان فيها الخالص والزيوف، وكان الخليفتان عمر وعثمان رضي الله عنهما إذا وجدا الزيوف في بيت المال جعلاها فضة، وقيل: إن ابن مسعود كان يأمر بكسر الزيوف سدّاً لذريعة الغش. {راجع المرجع السابق ج3 ص 576}.

فتلك صورة موجزة عن حالة (الدينار الذهبي) التي نصت عليها المادة (170/5) من القانون الجنائي لسنة 1991م، فهو فضلاً عن أنه نظام نقدي ليس له وجود في عصرنا الحاضر، فإنه متفاوت بين رومية وأخرى دمشقية، وثالثة حميرية ونحو ذلك، ولا يمكن معرفة قيمته النقدية بمجرد تحديد زنة الذهب فيه، بنحو ما حددته المادة الآنفة الذكر، حيث كان يخالطه قدر من الفضة، فالذهب الخالص لا يقبل السك، ثم هناك قيمة السك "التصنيع"، ومحصلة ذلك كله أن تقدير قيمة تلك العملة (الدينار الذهبي) المنصوص عليه بالمادة المذكورة بالنظر إلى زنة (4.25 جراماً من الذهب) فقط ليس أمراً دقيقاً –بل ولا صائباً أصلاً-، حيث إن الدينار الذهبي لم يكن مجرد تبر غير مسكوك وإنما كان مسكوكاً كما بيناه آنفاً.

بناءً عليه فإن تحديد قيمة نصاب السرقة الحدية فقط على ضوء السعر المحلي للذهب (4.25 جراماً) لم يعد سديداً، فتعينت الاستعاضه عنه بما هو أدق، وهو تحديد قيمة نصاب السرقة الحدية المنصوص عليه " أي قيمة الدينار الذهبي" ، بالنظر إلى القيمة الشرائية للدينار الذهبي في صدر الإسلام، دونما إغفال لمقتضيات تفاوت البيئات- أعني التفاوت بين تلك البيئة التي اتسمت بندرة الثمن والمثمن وبين البيئة السودانية الحاضرة التي تتسم بالوفرة في الثمن والمثمن، ولئن كان الدينار يشترى شاتين في صدر الإسلام، فإن ما يقابلهما في عصرنا أكثر بكثير.

يقول السرخسي في المبسوط: " ... قيل للمعنى فيه: أن العبرة للقيمة في المقادير، فإن الشاة تقوَّم بخمسة دراهم في ذلك الوقت- أي في عصر النبوة-". {راجع المبسوط للسرخسي جزء2 صفحة 150 }.

ومعلوم أن الدينار عشرة دراهم-في الأغلب – ومن هذا المعنى ما روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجنٍ قيمته دينار" أو عشرة دراهم  {رواه أبو داؤد في سننه في كتاب الحدود باب ما يقطع فيه السارق، ورواه النسائي في سننه في كتاب قطع السارق}.

وكان الدينار أحياناً إثنى عشرة درهم-. وقد روعيت كل تلك المعطيات الآنفة الذكر في هذا المنشور، كما روعيت فيه ضرورة الملاءمة مع روح الشرع الحنيف حيث لا قطع في المال التافه؛ إذ روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " ما كانت اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشئ التافه" {راجع فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني جزء 12 ص117 ، وللحديث رواية بإسناد آخر في السنن الكبرى للبيهقي في كتاب السرقة جماع أبواب القطع في السرقة}.

وعليه فقد جاء تحديد مقدار النصاب بهذا المنشور أكثر رعايةً لظروف الزمان والمكان، وأحفظ للمال وأصون لشرف العضو، وأكثر اتساقاً مع روح الشرع الحنيف.

وبجانب ما ذكر، فقد كان من دواعي المصير إلى هذا النظر، عدم استقرار أسعار الذهب –محلياً وعالمياً- فالذهب يتغير سعره حسب البورصة العالمية، وأحياناً بمؤثرات لا تتصل بالمعايير الاقتصادية، وقد يتراوح سعره بين انخفاض وارتفاع بينهما البون شاسع.

لقد أخذ المنشور برأي جمهور الفقهاء بالنص على تقويم المال المسروق وقت السرقة، معرضاً عن الأخذ برأي فقهاء الحنفية القائل بديمومة استقرار قيمة المال المسروق من وقت السرقة إلى وقت تنفيذ حكم القطع، حيث إن الأخذ برأي فقهاء الحنفية تتمخض عنه صعوبات عملية عديدة.

إن سريان هذا المنشور اعتباراً من اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان عام 1430هـ الموافق اليوم السابع عشر من شهر سبتمبر عام 2009م على كل القضايا المنظورة أمام المحاكم بمختلف مراحلها بما فيها مرحلة التأييد بوساطة المحكمة العليا وفقاً لأحكام المادة 181 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م يلزم منه مراعاة هذا المقتضى في الأحكام التي أصبحت انتهائية بعد تاريخ سريان هذا المنشور وقبل وصوله إلى المحاكم، وأظهر منه ضرورة مراعاة مقتضياته في القضايا المنظورة في كل المراحل المذكورة بالمنشور فذلك ما يقتضيه إعمال التشريع الأصلح للمتهم.

والله الموفق،،،

 

     إدارة المكتب الفني والبحث العلمي

 

تحريراً في اليوم السابع والعشرين

من شهر رمضان المعظم لسنة 1430هـ

الموافق السابع عشر من شهر سبتمبر 2009م