المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد صلاح الدين شبيكة      قاضي المحكمة العليا              رئيساً

سعادة السيد بكري محمد على بلدو   قاضي المحكمة العليا        عضواً

سعادة السيد حسن على أحمد        قاضي  المحكمة العليا               عضواً

الأطراف :

أمين عام النقابات                                  الطاعن

//ضد//

نقابة عمال التاكسي                                المطعون ضده

م ع / ط م/230/ 1975م

 

الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية لسنة 1973م – اختصاص المحكمة العليا في الطعن بالنقض – المادة 190 (هـ) .

إجراءات مدنية – حق الطعن والنص على نهائية الإجراءات – المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م.

قانون نقابات العمل لسنة 1971م – عدم سريان النص على نهائية القرارات – المخالفات التي تجيز حل النقابة – المادة 31.

 

المبدأ:

1-  يقرر الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية في المادة 190 (هـ) اختصاصاً أساسياً للمحكمة العليا هو اختصاص نظر الطعن بالنقض في جميع المواد القانونية على النحو الذي يحدده القانون.

2-  يقصد بالقانون الوارد في الفقرة (1) أعلاه القانون الصادر بعد الدستور أو قبله ولا تناقض الاختصاص الأساسي للمحكمة العليا ولذلك فإن قانون نقابات العمل لسنة 1971م الذي يناقض هذا الاختصاص الأساسي كان يجب تعديله ليتمشى مع الدستور وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م والنظام الجديد الخاص بالطعن بالنقض والذي أرسي في عام 1972م.

3-  ينظم القانون في المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية إجراءات الطعن بالنقض التي تحدثت عنها المادة 190(هـ) من الدستور الدائم.

4-  قانون نقابات العمل لسنة 1971م يقرأ في ضوء الدستور وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م ولذلك لا يسلب هذا القانون المحكمة العليا اختصاصها الدستوري في نظر الطعن بالنقض على الرغم من أنه نص على انتهائية قرارات قاضي المديرية.

5-  للأمين العام للنقابات حق حل النقابة التي ترتكب مخالفات أساسية يخضع تقديرها لسلطته التقديرية. ([1])

المحامون :

زكي عبد الرحمن عن النائب العام                             عن الطاعن.

الحكــــم:

18/12/1975م:

تتلخص وقائع الطعن فيما يلي :

في اليوم السابع والعشرين من شهر فبراير 1975م أصدر الطاعن (أمين عام النقابات) قراراً بحل نقابة عمال التاكسي بالسودان بمقتضى المادة 31(1) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م (هنالك صورة من القرار مرفقة مع استئناف النقابة المقدم لقاضي المديرية وبنى قراره على مخالفة النقابة للمواد الآتية :

أولاً : 10/1 و 10/2 من قانون نقابات العمل لسنة 1971م.

ثانياً : 2/1 من لائحة البنيان النقابي لسنة 1972م.

ثالثاً : (ثالثاً و 12 أولاً – (ويبدو أنه يقصد هنا أحكام النظام الأساسي للنقابة أي دستورها) مقرونة بالمادة 2(2) من قانون النقابات و 10/5 مقرونة بالمادة 10/2/1 من قانون النقابات و 4/9 و6 ثانياً 1 و 11/2 و5/ح و 12/3 و13/5 31 من قانون نقابات العمل . ويبدو أنه يقصد البند الأول من المادة 31 من القانون.

ومن ثم قدمت النقابة استئنافاً لقاضي مديرية الخرطوم بناءً على نص البند الثاني من المادة 31 من قانون النقابات الذي أصدر قراراً يقضي بنقض قرار الأمين العام واعتبره باطلاً وكان ذلك بتاريخ 2/6/1975م . ثم قدم الأمين العام طعناً لمحكمة الاستئناف على أنه يبدو لنا أن العريضة قد وجهت أساساً للمحكمة العليا إلا أنها قدمت لمحكمة الاستئناف بطريقة غير معروفة . وقضت محكمة الاستئناف (الدائرة المدنية) بتاريخ 27/7/1975م بعدم انعقاد الاختصاص لها ذلك أولاً لأن المادة 17 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 تعقد لها الاختصاص بالنظر في الاستئنافات التي ترفع إليها من الأحكام والأوامر الصادرة من محكمتي المديرية وقاضي الدرجة الأولى وثانياً لأن المادة 31(2) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م نصت صراحة على أن ما يصدر عن محكمة المديرية بصفتها الاستئنافية من قرار يعتبر نهائياً وهذا سلب محكمة الاستئناف من اختصاصها بنظر الطعن حسب التدرج الهرمي فضلاً عن ذلك فإن الطعن الذي فصلت فيه محكمة الاستئناف يرفضه شكلاً ينعى فيه على محكمة المديرية خطأها في تفسير مواد القانون فإن نظر ذلك الطعن ليس محله محكمة الاستئناف.

ومن ثم قدم أولاً أمين عام النقابات (الطاعن) وأعقبه النائب العام بمذكرة تكميلية ، هذا الطعن وفي البداية طلبا أن نتجاوز عن انقضاء المدة القانونية المحددة للطعن وقد قررنا بتاريخ 23/9/1975م أن نمد أجل تقديم الطعن بمقتضى أحكام المادة 7(ب) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م لأن الأسباب التي ساقها النائب العام وملاحظاتنا في هذا الشأن كافية لمد فترة تقديم الطعن بالنقض وقد أوردناها في تلخيصنا فيما قبل (ارجع لملف إجراءات المحكمة العليا).

ثم ينتقل النائب العام بعد ذلك ليعرض الوجه الأول للطعن بالنقض وهو المتصل باختصاص المحكمة العليا بنظر الطعن على الرغم مما ورد في نص المادة 31(2) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م والتي تنص على أن قرار قاضي المديرية نهائي . وفي هذا الشأن يرى أن هذا النص لا يمنع تدخلنا لتصحيح أي خطأ قانوني في ذلك القرار ويبني رأيه على الأسباب الآتية :

1-  إن حق الطعن بالنقض مكفول بموجب الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية لسنة 1973م (المادة 190(هـ)).

وما العبارة (.... على النحو الذي يحدده القانون) الواردة في المادة 190(هـ) إلا إشارة للإجراءات التي تنظم الطعن ولا ترقى إلى إمكانية مصادرة الحق كلية – (ولما كان قانون نقابات العمل لسنة 1971م سابقاً لصدور الدستور فإن ما يتعارض فيه مع الدستور يعتبر باطلاً (المادة 222 من الدستور).

2-  تنص المادة 31(2) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م على أن تستأنف قرارات أمين عام النقابات لقاضي المحكمة العليا . وقد انتقلت سلطة المحكمة العليا بعد تطبيق التنظيم القضائي الحالي لقاضي المديرية وواضح من هذا أن القانون حينما نص على أن يكون قراره نهائياً فإنه لا بد من أنه أخذ في الاعتبار وضع المحكمة العليا آنذاك في السلم القضائي بما كان يجعل لأحكامها حجية تستمدها من مستوى المحكمة.

3-  وبصدور قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م وهو قانون لاحق لقانون نقابات العمل لسنة 1971م فإنه أصبح لزاماً التوفيق بين القانونين مع سيادة قانون سنة 1974م في حالة التعارض وذلك ما يقضي به قانون تفسير القوانين والنصوص العامة لسنة 1974م (المادة 6(23) وبالنظر في الاستئناف الذي يقدم لقاضي المديرية بموجب المادة 31(2) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م فإنه لا يعدو أن يكون طعناً في قرار إداري وما دام الأمر كذلك فإن ما يصدر فيه من قرار لكافة الإجراءات المتعلقة بالدعاوى ومنها بالطبع حق الاستئناف والطعن بالنقض.

4-  درجت المحاكم في بعض الدول التي تسترشد بتراثها القضائي على تفسير العبارات التي تقضي بانتهائية القرارات أو تحد من حق الطعن تفسيراً ضعيفاً ليتيح أكبر قدر من العدالة للمواطنين وليتسع المجال دائماً لتصحيح الأخطاء في كل قضاء يتعلق بالحقوق والواجبات . وفي هذا أشار إلى السابقة الإنجليزية (Re Gilmore (1957) 1 all, ER. 796) وإلى رأي اللورد دينج على وجه خاص ومجمل رأيه هو أن سلطة المحكمة في تصحيح الأخطاء القانونية لا تحدها التشريعات إلا بنهي صريح في هذا الشأن وهو ما لا نجده في قانون سنة 1971م. كأن ينص القانون على أن مجال اللجوء للمحاكم بالنسبة لتصحيح الأخطاء في القانون إذ أن عبارة (نهائي) يستخلص منها أن القرار نهائي فيما يتصل بالوقائع.

ثم يضيف الأمين العام للنقابات والنائب العام في حالة قبول الطعن شكلاً أن الوقائع الثابتة بمحضر محكمة المديرية لا تحتاج إلى تعقيب فلقد أثبت الطاعن الأسباب التي دفعته إلى إعمال سلطته بموجب المادة 31(1) من قانون نقابات العمل لسنة 1971م وقد أقرت محكمة المديرية ببعض ما ثبت في تكييفها للوقائع على أنها جانبها التوفيق حينما قررت أنها لا تجد في ذلك ما يبرر حل النقابة بأكملها كتنظيم ولا تخال أن المشرع عندما قرر بحل النقابة إذا خالفت أحكام قانون نقابات العمل لسنة 1971م انصرف ذهنه لمثل هذه الحالة. فالقانون المشار إليه قرر ذلك إذا حدثت مخالفة لأحكامه ولم يقل إذا خولفت أي مادة من مواده مما يجعل التفسير المقبول مخالفة الأحكام الأساسية كأغراض النقابة وأهدافها أو ما تخل بأمن الدولة. وليس من يقبل العضوية أو حتى يقدم الحساب فإنها أخطاء رسم القانون كيفية محاسبة اللجنة أو الهيئة التي ارتكبتها بنصوص محددة خاصة. وقد أوردنا نص حيثيات قاضي المديرية ما أمكن ذلك لنوضح وجه الطعن في هذا الشأن.

والنائب العام يقول هنا أن المادة 31(1) منحت الطاعن سلطة حل النقابة أو الاتحاد إذا خالف أي منها أحكام القانون أو اللوائح وليس في هذا النص ما يجعل بعض الأحكام تعلو على غيرها كما قررت المحكمة الموقرة . ولا يعني أن بعض المخالفات تؤدي إلى إمكانية حل النقابة والبعض الآخر يستوجب الإجراء الجنائي فإذا نصت المادة 33 على عقوبات المخالفات بموجب المادة 31(1) وإن كان هناك سلطة تقديرية في الاختيار بين حل النقابة أو اتخاذ إجراءات جنائية ضد أي من أعضائها فإنها إنما تكون للأمين العام في الحالات المناسبة والأمين العام ليس هو صاحب المصلحة الحقيقية الوحيدة في نشاط النقابة.

وبعد قبول الطعن شكلاً أعلن محامي النقابة المطعون ضدها بالرد في خلال أسبوع من إعلانه فطلب مد الفترة المحددة وأجيب طلبه على أنه لم يقدم رده حتى الآن.

لنبدأ أولاً بالفصل في مسألة الاختصاص وهذا بالضرورة يستلزم أن نقرر إن كان من ضمن اختصاصات المحكمة حسب أحكام المادة 190 من الدستور على وجه التحديد الفقرة (هـ) من المادة التي تنص على أنها تختص بنظر الطعن بالنقض في جميع المواد القانونية على النحو الذي يحدده القانون. وفي ضوء هذا النص فإن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م هو الذي ينظم إجراءات الطعن بالنقض وتنص المادة 207 منه على ما يلي :

(للأطراف أن يطعنوا أمام المحكمة العليا في الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف وقاضي المديرية بصفة استثنائية وذلك في الأحوال الآتية :

أ – إذا كان الحكم المطعون فيه مبنياً على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو في تأويله.

ب- إذا وقع بطلان في الحكم أو بطلان في الإجراءات أثر في الحكم.)

فالنص الدستوري الذي صدر في سنة 1973م أي بعد صدور قانون نقابات العمل لسنة 1971م والذي تستخدمه وتستند إليه أحكام المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م يعقد الاختصاص للمحكمة العليا في نظر الطعون بالنقض فيما يتصل بأي مخالفة قرار للقانون وعلى هذا وباعتبار أن نصوص الدستور تعلو على أي قانون كان ينبغي أن تعدل المادة 31(2) من قانون نقابات العمل لسنة 1973م وقانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م بما يجعل المادة المذكورة تساير وتتمشى مع الدستور والقانون اللاحق المستمد من الدستور بل ويتمشى مع التنظيم القضائي الذي أرسى بعد قانون سنة 1971م في عام 1972م والذي استحدث طريقاً جديداً للطعن هو الطعن بالنقض. على أن هذا لم يحدث ولذلك لا بد أن يفسر المادة المشار إليها في ضوء ما جاء في الدستور والقانون الإجرائي ولسنا في حاجة إذا أن نرجع أو نستند إلى قضاء خارج السودان لأن الطريق بالنقض كفله الدستور الدائم لجمهورية السودان الديمقراطية لسنة 1973م أولاً وحققه قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م. ثانياً وهو القانون الذي ينطبق على القضية المعروضة علينا الآن وخلاصة القول أن المحكمة العليا أنيط بها الفصل في الطعن بالنقض على النحو الذي قرره الدستور ورسمه قانون الإجراءات إذ أن قرار قاضي المديرية بمقتضى المادة 31(2) من قانون نقابات العمل صدر بصفة استئنافية وعليه يقبل الطعن شكلاً . أما من حيث الموضوع فإن هذه المحكمة لن تعقب على الوقائع التي توصل إليها الأمين العام للنقابات وكان من المستحسن أن يقدم ملف لنظر موضوع النزاع المتصل بنقابة التاكسي - على أن الأمين العام شهد كمدعي عليه بما توصل إليه من وقائع بعد التحقيق في النزاع . وكذلك لن نعرض إلى تعقيب قاضي المديرية على الوقائع إلا إذا كان استخلاص القاضي غير سليم ولا يقبل عقلاً أو منطقاً .

لقد نصت المادة 31(1) من قانون نقابات العمل على ما يلي :

 (  يجوز للأمين العام أن يصدر قراراً بحل النقابة أو الاتحاد في أي من الحالات الآتية :

أ‌-     إذا ثبت أن النقابة أو الاتحاد قد تخالف أي منهما أحكام هذا القانون أو اللوائح الصادرة بموجبه أو أحكام النظام الأساسي للنقابة .

ب‌- إذا تم تكوين النقابة أو الاتحاد بطريقة الغش أو التدليس أو الالتباس .

ونقرر إذا أن كانت أجهزة النقابة أو أي منها ارتكبت مخالفة للمادة المذكورة أو النظام الأساسي للنقابة إذ أن النقابة تعمل بوساطة مؤسساتها وأجهزتها وهي المؤتمر العام والجمعية العمومية واللجنة المركزية .

ويبدو من الوقائع التي  توصل إليها أمين عام النقابات وبني عليها قرار محكمة المديرية أو الجمعية العمومية التي تكون من الهيئات النقابية الموجودة في العاصمة المثلثة لم يكتمل تكوينها بسبب إلغاء انتخابات هيئة الخرطوم بحري ( ارجع للمادة السادسة ثانياً من النظام الأساسي للنقابة ) ولن تعقب هذه المحكمة على الوقائع التي استخلصت إلا إذا كان الاستخلاص غير سليم أو أن هنالك خطأً في الاستدلال .

ويبدو أيضاً أن المؤتمر العام كون اللجنة المركزية بشكلها الذي كانت قبل أن تحل على الرغم من أن المادة السادسة ثالثاً الفقرة (2) تنص على أن تنتخب الجمعية العمومية للنقابة أعضاء اللجنة المركزية ويبين أيضاً من الوقائع كما أوردناها في  إيجاز أن الجمعية العمومية لم تنتخب اللجنة المركزية  كما ينص النظام الأساسي للنقابة بل إن المؤتمر العام هو الذي كونها والمادة السادسة أولاً من النظام تحدد سلطات المؤتمر على النحو التالي :-

1-    هو السلطة العليا للنقابة وبهذه الصفة يقوم بوضع السياسة المالية والإدارية للنقابة .

2-    يحدد سلطات واختصاصات اللجنة المركزية .

3-    يخول اللجنة المركزية سلطة البت واتخاذ القرار في أي أمر من الأمور الهامة التي تقع خارج سلطاتها المنصوص عليها .

4-    يحاسب اللجنة المركزية على أعمالها .

5-    ينظر في الشكاوى والاستئنافات المقدمة ضد اللجنة المركزية .

6-    يعدل الدستور ويحذف منه أو يضيف إليه أي بند من البنود وفقاً للقانون .

7-    يحدد فئات الاشتراكات ورسم الدخول ويقرر الاشتراكات والفوائد والإعانات المختلفة .

ويبدو من هذا أن المؤتمر العام ليست له سلطة انتخاب اللجنة المركزية حتى في حالة عدم اكتمال تكوين الجمعية العمومية فتكوين الجمعية العمومية مختلف من تكوين المؤتمر العام الذي يشمل القطر كله أما الجمعية العمومية فهي مكونة من الهيئات النقابية في العاصمة المثلثة وبما أن الجمعية العمومية لم يكتمل تكوينها فإن تكوين اللجنة المركزية الذي تم بواسطة المؤتمر العام مخالف للمادة السادسة ثالثاً من دستور النقابة .

وتنص الفقرة الثامنة من المادة السادسة ثالثاً : على أنه إذا تعذر قيام اللجنة المركزية الجديدة للدورة الجديدة للنقابة في الموعد المحدد لها في الدستور فعلى اللجنة المركزية القديمة أن تواصل القيام بأعمالها لمدة شهر آخر سيتم خلاله عقد الجمعية العمومية وانتخاب اللجنة الجديدة فإن لم يتم ذلك جاز لهيئتين نقابيتين الدعوى لاجتماع عام لانتخاب اللجنة المركزية وذلك بعد موافقة أمين عام النقابات .

ويبين من الوقائع أن الإجراءات التي جاءت في هذه الفقرة لم تتم  بل أن المؤتمر العام هو الذي قام بتكوين اللجنة المركزية ولا يغير في الموقف شيئاً أن يثبت شهود الادعاء أن الأمين العام للنقابات أفتى بإكمال الانتخابات في موعد لاحق بعد إلغاء انتخابات الهيئة النقابية للخرطوم بحري فالأمين العام لا يملك أن يغير القانون أو الدستور الذي ألزمت المادة31 من قانون نقابات العمل به .

ويتضح من الأوراق أن اللجنة المركزية التي انتخبت انتخاباً باطلاً على النحو الذي أوردناه فيما قبل – لم تراجع حسابات النقابة وهيئاتها النقابية بواسطة مراجع ولم ترسل نسخة من الحسابات المراجعة إلى أمين عام النقابات فقد قررت محكمة المديرية أن هذا لا يشكل خرقاً يوجب حل النقابة ولكن قد يشكل مسألة اللجنة .

وقد بني قاضي المديرية قراره هذا على أن الثابت أن هنالك أموالاً محجوزة لدى البوليس في       بلاغات واختلاسات وخيانة أمانة مما يعطل عملية المراجعة قبل الفصل في تلك البلاغات . وفي رأينا أن عدم مراجعة حسابات النقابة يعتبر مخالفة للمادة الحادية عشر من النظام الأساسي للنقابة ( الدستور ) ولا ينهض عذراً لعدم مراجعة الحسابات وإرسال نسخة من الحسابات المراجعة للأمين العام ، إن هنالك بلاغات أمام البوليس فإن البلاغات لا تمنع مراجعة الحسابات بل على العكس فإن مراجعة الحسابات مراجعة دقيقة يكشف الاختلاس وخيانة الأمانة ويحدد المتهمين وهي الأساس في الفصل في البلاغات والقضايا التي قد تترتب عليها ولهذا أوجب دستور النقابة مراجعة الحسابات سنوياً للتيقن من أن أموال النقابة تصرف في أوجهها الشرعية ويعاقب جنائياً كل من يحولها لمنفعته الشخصية ويبددها .

وعليه فإن النقابة أو اللجنة المركزية خالفت أيضا المادة الحادية عشر من الدستور بعجزها عن مراجعة الحسابات وإرسال نسخة منها للأمين العام .

ويبين من الوقائع أيضاً أن شاهد الدفاع الرابع وهو عضو في هيئة نقابية استلم مبلغ 25 جنيه    كحافز من اللجنة المركزية . وبالرجوع إلى الفقرة الخامسة من المادة الثانية من دستور النقابة التي تحدد أوجه إمداد الأعضاء بالإعانات والفوائد يبين لنا أن الإعانة التي استلمها العضو لا يجوز تقديمها له لأنها غير واردة في الحالات التي حددتها الفقرة وهي حالات الكوارث المفاجئة والمرض ووفاة العضو أو زوجته أو أحد والديه أو أبنائه فضلاً عن هذا فإن الفقرة الخامسة من المادة الثالثة عشر تخول للجنة المركزية الحق في تفريغ ثلاثة ضباط للقيام بالعمل وتتحمل النقابة منصرفات تفريغهم سواءً كان مرتبات أو ترحيلات .ومن الواضح  أن واضعي الدستور قصدوا أن يحددوا أعضاء اللجنة الذين يحق لها أن تمنحهم فائدة مالية وذلك بسبب تفرغهم ولم تخول للجنة أي سلطة أخرى لمنح غيرهم حوافز أو فوائد مالية .

وبناءً على ما تقدم فإن النقابة ارتكبت المخالفات التي أوردناها على وجه التحديد أعلاه . فهل يجوز للأمين العام للنقابات أن يصدر قرارة بحل النقابة استناداً إلى هذه المخالفات حسب أحكام المادة 31(1) من قانون نقابات العمل لسنة 1971 ؟ ويرى قاضي المديرية أن المشرع عندما نص على حل النقابة إذا خالفت أحكام القانون لم ينصرف ذهنه إلى مثل هذه الحالات بل إن ذهنه انصرف إلى مخالفة الأحكام الأساسية كأغراض النقابة وأهدافها ونحن لا نؤيده فيما ذهب إليه فلا يتصور عقلاً أن يكون المشرع قد قصد أن يرتب جواز حل الأمين العام للنقابة على مخالفة كل أحكام القانون أو النظام الأساسي للنقابة وحتى الأحكام الأساسية من القانون أو النظام الأساسي . الرأي عندنا أن المادة 31(1) من القانون خولت للأمين العام سلطة تقديرية لحل النقابة في حالة مخالفتها لأي من أحكام القانون أو النظام الأساسي وعلي هذا فللأمين العام أن يمارس سلطته التقديرية ويقدر مدى جسامة أو أهمية وتأثير المخالفة على التكوين التمثيلي للنقابة وحفظ أموال النقابة بأمانة وصرفها في الأوجه التي يحددها الدستور وغيرها من الأغراض التي أنشئت من أجلها النقابة . ولا تتدخل المحكمة في ممارسته لسلطته التقديرية إلا إذا كان هنالك سوء استعمال بين لسلطته وعدم توافر مخالفة من النقابة لأحكام القانون أو الدستور ونلاحظ هنا أن الأمين العام بنى قرارة الصادر في يوم 27/2/1975 على مخالفات محددة بعينها إلا أنه في عريضة الطعن أشار إلى بعض منها .

إننا نرى أن الأمين العام مارس سلطته الدستورية وحمل قراره على المخالفات التي فصلناها أعلاه ولا يقدح في قراره أن بعضاً من الأسباب التي بني عليها لم يثبت لمحكمة المديرية . إن المخالفات التي تثبت ببطلان تكوين الجمعية العمومية ومن ثم بطلان تكوين اللجنة المركزية وبعدم مراجعة حسابات النقابة وصرف أموالها في غير أوجه الصرف التي يحددها النظام الأساسي وهذه مخالفات أساسية يجوز للأمين العام أن يمارس بناءً عليها سلطته التقديرية ويأمر بحل النقابة وعلى هذا فإن قراره جاء سليماً ولم يكن لقاضي المديرية أن يملك سلطة نقده ما دام قد بني على مخالفات لبعض أحكام نظام النقابة الأساسي ولم يتضح له أي سوء استعمال في ممارسة الأمين العام لسلطته .

أما حل النقابة فلا يعني – كما يعتقد قاضي المديرية خطأً – أن تحل النقابة كلها أو يحل كيانها القانوني المسجل بمقتضى القانون بل يترتب عليه حل أجهزتها أي حل الجمعية العمومية واللجنة المركزية وبعد ذلك اتخاذ الإجراءات القانونية تكوين أجهزة النقابة من جديد .

نخلص لما تقدم إلى أن قرار الأمين العام الذي يقضي بحل النقابة قرار سليم ونأمر بقبول الطعن ونقض قرار قاضي المديرية ونأمر أيضاً ولزام المطعون ضده بالرسوم .

 



/ ( 1974) مجلة الاحكام القضائية السودانية – صفحة 132[1]