المحكمة العليا
الأطراف :
بول بــول نجــور الطاعن
ضد
هيلد آنــد فرانـــك المطعون ضده
م ع /ط م/265/1983م
مسئولية تقصيرية – قاعدة الإهمال المفترض – الوقائع المكونة للإهمال – لا ضرورة لذكرها في عريضة الدعوى.
مسئولية تقصيرية – قاعدة الإهمال المفترض – شروط تطبيقها.
المبدأ:
1- ليس بواجب أن يدفع المدعى في عريضة دعواه بقاعدة الإهمال المفترض بل يكفي أن يذكر الوقائع التي يرى أنها تشكل الإهمال.
2- تطبيق المحكمة قاعدة الإهمال المفترض من تلقاء نفسها – دون طلب أو دفع من المدعى حينما تجد أن الإهمال يتحدث عن نفسه بمعنى أن يكون لدى المحكمة اعتقاد غالب بأن الحادث وقع بسبب إهمال أو تقصير المدعى عليه ولا يكون أساس هذا الاعتقاد بينة تقدم إليها ، إنما يبني على المنطق والنظر للمجرى العادي للأمور. ([1])
الحكم:
20 محرم 1405هـ
15 أكتوبر 1984م
القاضي عبد الوهاب المبارك:
المدعى (والطاعن الآن) كان يعمل مع المدعى عليه (المطعون عليها الآن) سائقاً لبلدوزر يقوم بدحرجة الصخور التي كانت تقطع من الجبل في نيالا . أثناء قيام المدعى بعمله وبتاريخ 31/8/1980م تعطل البلدوزر وسقط من أعلى الجبل فوق جسم المدعى مما أدى إلى قطع ساقيه تماماً بعد الركبتين . قدر القومسيون الطبي العجز الذي أصاب المدعى بأنه عجز دائم وكامل . كان عمر المدعى وقت الحادث حوالي 25 عاماً . وكان مرتبه مبلغ 50 1 جنيهاً شهرياً . عرضت المدعى عليها على المدعى مبلغ 750 ج تعويضاً ولكنه رفض وأقام الدعوى رقم ق.م/232/81 أمام محكمة المديرية بالخرطوم مطالباً بالحكم له بمبلغ 25 ألف جنيه تعويضاً عاماً عن الآلام والعجز الذي أصابه ، وذلك على أساس أنه كان وقت الحادث يقود البلدوزر بناء على تعليمات من المدعى عليها وعلى أن سقوط البلدوزر كان نتيجة لتوقف الماكينة بسبب ضعفها ولإهمال المدعى عليها في توفير وصيانة ماكينة جديدة .
أنكرت المدعى عليها دعوى المدعى ودفعت بأن المدعى قاد البلدوزر دون تعليمات منها وذكرت أن العمل في الجبل كان قد انتهى قبل أسبوعين من وقع الحادث والأذى الذي أصاب المدعى كان بسبب إهماله وخطئه في قيادة البلدوزر – وبأنها لم تعرض المبلغ الذي عرضته على المدعى بسبب مسئوليتها عن الحادث وإنما عرضته باعتباره التعويض الذي يقضي به قانون تعويضات العمال.
بناء على مذكرات الطرفين حددت محكمة الموضوع نقاط النزاع وسمعت الدعوى وبعد أن تقدم كل من طرفي النزاع بمرافعة ختامية مكتوبة أصدرت المحكمة (وكانت برئاسة القاضي محمد أحمد شاهين) حكمها بأن تدفع المدعى عليها للمدعى تعويضاً مقداره 15 ألف جنيه . صدر ذلك الحكم في 16/10/1982م وقد استأنفته المدعى عليها لمحكمة الاستئناف التي أصدرت حكمها في 9/3/1983م بإلغاء حكم قاضي الموضوع وشطب الدعوى . من ثم تقدم محامي المدعى بهذا الطعن وقد رد عليه كتابة محامي المطعون عليها.
بعد الإطلاع والمراجعة اللازمين وجدت الآتي:-
لاحظت أن قاضي الموضوع ذكر في حكمه أن نقطة النزاع الأولى هي ما لو كان المدعى في تاريخ الحادث يقود البلدوزر بناء على تعليمات المدعى عليها ، ولكنه (أي القاضي) لم يقرر هذه النقطة ، وإنما قرر لصالح المدعى عليها النقطة الخاصة بإهمال المدعى عليها حيث قال أن المدعى فشل في أن يثبت أن ضعفاً قد أصاب ماكينة البلدوزر وأدى إلى توقفها عن العمل وإلى الحادث موضوع الدعوى . ولكن القاضي مضى بعد ذلك وقرر بأن البلدوزر آلة خطرة ، وأنه وفقاً للقانون كما قررته السوابق كان ينبغي على المدعى عليها اتخاذ الاحتياطات والتدابير لحماية المدعى من السقوط الذي تعرض له ، وأن المدعى عليها لم تثبت أنها قد قامت بواجبها في اتخاذ تلك الاحتياطات والتدابير ، ووصل القاضي بذلك إلى أن المدعى عليها مسئولة عن الحادث الذي تسبب في الضرر للمدعى ، ومن ثم حكم بالتعويض الذي رآه مناسباً.
ألغت محكمة الاستئناف حكم محكمة الموضوع استناداً إلى أن البينة الأرجح تفيد بأن المدعى قاد البلدوزر دون تعليمات من المدعى عليها بالإضافة إلى قولها ( أي المحكمة ) بأن قاضي الموضوع لم يكن محقاً في إثارة مسألة خطورة البلدوزر لأن المدعى لم يثرها في دعواه ولم يثبتها عند سماع الدعوى.
من جانبي فإنني اختلفت مع محكمة الاستئناف وأيضاً مع قاضي الموضوع وأقرر الآتي من أجل الفصل في هذا الطعن:-
أولاً:
أخطأت محكمة الاستئناف في القانون والوزن الصحيح للبينة حين قررت أن المدعى قاد البلدوزر في يوم الحادث دون تعليمات من المدعى عليها . وفي رأيي أن الخطأ بين بشكل يستدعي ويبرر تدخل هذه المحكمة لوضع الأمر في نصابه.
إنني اتفق مع أغلب ما جاء في مذكرة الأستاذ العالم عبد الله النجيب ( محامي الطاعن) فيما يتعلق بهذه النقطة ولكنني أكتفي بأن أقرر بأن وجود البلدوزر مع المدعى وقت الحادث واستخدامه له يشكل قرينة مبدئية لصالح المدعى بأن تعليمات قد أعطيت له من قبل المدعى عليها بقيادة البلدوزر.
ولقد تساءل محامي الطاعن بحق مرافعته الختامية لمحكمة الموضوع – أيضاً أتساءل مثله –من الذي سلم البلدوزر للمدعى ومن الذي جهزه بالوقود إن لم يكن المدعى قد كلف من قبل المدعى عليها بالعمل فيه هذا فضلاً على أن المدعى قد شهد وهو على اليمين بأن " الخواجه " أمره يوم الحادث بأن يطلع ويحضر الخرسانة من فوق الجبل . أما عن البينة المقدمة من جانب المدعى عليها فإنني أرى أنها لم تكن كافية لتنفي أو ترجح على البينة التي قدمت من قبل المدعى في هذا الخصوص ذلك أن الشاهد الوحيد الذي استعانت به المدعى عليها وهو المهندس الميكانيكي المسئول عن معدات الشركة لم يقرر أنه شاهد أو علم بنفسه كيف ولماذا قاد المدعى البلدوزر يوم الحادث.
صحيح أن الشاهد المذكور قرر أن العمل فوق الجبل قد قفل منذ أسبوعين قبل الحادث ولكن نسبة لأن الشاهد لم يكن الشخص المسئول عن توجيه التعليمات للمدعى للقيام بعمله فإن إفادته تلك لا ينبغي أن ترجح على ما ذكره المدعى من أن رئيسه المباشر في الشركة قد وجهه في يوم الحادث بأن يقود البلدوزر ويعمل به في الجبل . لهذا فإنني أرى أن محكمة الاستئناف لم تكن مصيبة حين قررت أن شهادة المدعى لم تقو على الصمود في مواجهة شهادة شاهد المدعى عليها وفي رأيي أن الأرجح هو أن المدعى قاد البلدوزر وطلع به الجبل في يوم الحادث بناء على تعليمات من شخص مسئول في الشركة المدعى عليها.
ثانياً:
يستند محامي الطاعن إلى حد كبير على قاعدة الإهمال المفترض Res. lpsa loquitur حيث يرى بأنها تنطبق على هذه القضية ويقول بأنها قاعدة إثباتية لا يلزم وردودها في المذكرات . وأنا أوافق على أنه لم يكن من واجب المدعى أن يذكر في عريضة دعواه أن الإهمال مفترض لصالحه في مواجهة المدعى عليها وإنما كان كافياً ما ذكره من وقائع رأي أنها تشكل إهمالاً من جانب المدعى عليها . وكان يجوز للمحكمة بعد ذلك أن تطبق قاعدة الإهمال المفترض إذا رأت وجهاً لتطبيقها ذلك أن القاعدة المذكورة تنطبق حينما يشير وقوع الحادث موضوع الدعوى إلى إهمال المدعى عليه ابتداء والمقصود بهذا أن الإهمال يتقرر لصالح المدعى ضد المدعى عليه بمجرد ثبوت وقوع الحادث ودون أن يكون المدعى بحاجة إلى أن يثبت عناصر الإهمال سواء أكانت إيجابية أو سلبية . فوقوع الحادث في حد ذاته يعتبر هنا بينة كافية على إهمال المدعى عليه ويمكن أن يصدر الحكم لصالح المدعى بناء على ذلك ما لم يقدم المدعى عليه بينة تنفي عنه ذلك الإهمال المفترض . ولا شك أن السؤال يثور متى تنطبق قاعدة الإهمال المفترض هذه ، ونجيب على هذا بأن ذلك يكون حينما تجد المحكمة أن إهمال المدعى عليه بينة عن إهمال المدعى عليها – بأن الحادث وقع بسبب إهمال أو تقصير المدعى عليه.
وهذا الاعتقاد الغالب الذي يتكون لدى المحكمة لا يكون أساسه بينة تقدم لها وإنما ينبني على المنطق والنظر للمجرى العادي للأمور . ومتى يكون هذا الاعتقاد لدى المحكمة من مجرد وقوع الحادث كان عليها أن تطبق قاعدة الإهمال المفترض من تفسها ودون طلب أو دفع من المدعى . وحينما ترى المحكمة تطبيق هذه القاعدة فإنها (أي المحكمة) تقرر أولاً أن عبء إثبات الإهمال الملقي على المدعى قد انتقل بحيث أصبح على المدعى عليه أن ينفي عنه إهمالاً مفترضاً في مواجهته . ثم تقرر بعد ذلك ما لو استطاع المدعى عليه أو لم يستطع نفي ذلك الافتراض.
أنتقل بعد هذا لأقر أن وقائع الحادث موضوع هذه القضية لا تؤدي إلى افتراض مبدئي بإهمال المدعى عليها . وفي رأيي أن الوقائع هنا تختلف عن وقائع القضايا التي استشهد بها الأستاذ محامي الطاعن ، وعلى وجه الخصوص القضية السودانية كوة كوكو ضد شركة صناعات الزيوت الأفريقية (المنشورة في مجلة الأحكام القضائية لسنة 1960م صفحة 201) ففي تلك القضية كان المدعى يؤدي عمله في مصنع المدعى عليهم وكان بقربه كمية من الجوالات المليئة بالبذرة مرصوصة فوق بعضها سقطت تلك الجوالات فجأة على المدعى دون أن يلمسها أحد وأصيب المدعى بالأذى من جراء ذلك . وقد وجدت المحكمة أن سقوط تلك الجوالات في حد ذاته دليل على أن الجوالات وضعت بطريقة غير سليمة مما جعلها مهتزة ومعرضة للسقوط من مجرد نسمة ريح تمر عليها.
أما في قضيتنا هذه فإن سقوط البلدوزر لا يمكن أن يعتبر في حد ذاته دليلاً على إهمال المدعى عليها دون بيان للظروف التي أدت لذلك السقوط . ذلك أن المدعى قرر أن قيادته للبلدوزر وصعوده به للجبل هو عمله العادي الذي ظل زمناً طويلاً يقوم به ، ومنطق الأشياء يقول بأن سقوط البلدوزر ربما كان بسبب خطاء او إهمال من المدعى او جطاء او إهمال من المدعيى عليها وربما كان بسبب لايد للمدعى أو المدعى عليها فيه . ولهذا لم يكن هناك مجالاً لأعمال قاعدة الإهمال المفترض لصالح المدعى وإنما كان يتعين على المدعى أن يقوم بعبء إثبات الإهمال في حق المدعى عليها.
ثالثاً:
وفيما يتعلق بمسألة خطورة البلدوزر فإنني أرى أن محكمة الاستئناف كانت مخطئة حين قررت أن المدعى لم يثر هذه المسألة ولم يثبتها في دعواه . ذلك أن هذه المسألة تندرج ضمناً في الإهمال الذي إدعاه المدعى في عريضة دعواه وبنى عليه تلك الدعوى ، ولم يكن ينبغي على المدعى أن يبين في عريضة الدعوى كل تفاصيل الإهمال أو أن يذكر فيها حججه وبيناته . بل أنه لم يكن يجوز للمدعى أن يفعل ذلك حين أن المادة 73 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م الذي أقيمت الدعوى في ظله كانت تقضي بأن تشتمل العريضة على الوقائع باختصار وفي شكل موجز وبدون أدلة الإثبات التي تؤيدها.
إن الحديث عن خطورة وعدم خطورة البلدوزر في هذه القضية لا يعتبر أثاره لأمر لم يثر في الدعوى أو خارج عن نطاق النزاع كما يرى الأستاذ العالم مهدي شريف (محامي المطعون عليها) وذلك لأن هذه الخطورة قد تشكل معياراً لمعرفة مقدار الحيطة ودرجة الحذر اللازمين تجاه البلدوزر وتبعاً لذلك يتقرر ما لو كان أو لم يكن هناك إهمال هو محور هذه القضية.
وفي هذا الخصوص أجد نفسي متفقاً مع محامي الطاعن في أن مسألة خطورة الآلة لا ينبغي أن تعالج باعتبارها أمراً مستقلاً أو منفصلاً عن الإهمال كما فعل قاضي الموضوع حيث نفى أولاً الإهمال عن المدعى عليها ثم عاد وأثبت مسئوليتها على أساس أنها لم تتخذ الاحتياط اللازم تجاه البلدوزر باعتباره آلة خطرة . وبسبب لم تستطع معه أن تعالج الأمر معالجة سليمة.
رابعاً:
يعيدني ما قررته في النقاط السابقة إلى نقطة النزاع الحقيقية التي كانت محكمة الموضوع قد حددتها وهي:-
" هل توقف البلدوزر في أعلى الجبل فجأة ثم تدحرج لأسفله نتيجة لضعف الماكينة وإهمال المدعى عليها في تجهيز ماكينة جيدة وإجراء الصيانة اللازمة لها لكي تقوم بالأعمال الخطرة بأمان ".
وللإجابة على هذه النقطة فقد وصلت من خلال القراءة الدقيقة للبينة المقدمة من طرفي النزاع إلى أن الحادث موضوع النزاع وقع كالآتي:- كان المدعى على البلدوزر فوق سطح الجبل . لم يكن الجبل شديد الإنحدار وإنما كان مسطحاً . بأعلاه توقف البلدوزر فجأة وحاول المدعى أن يلف به في محاولة للنزول من جهة غير الجهة التي صعد بها فتدحرج البلدوزر وهوى في حفرة في الجبل وانقلب وأثناء ذلك سقط المدعى من البلدوزر ومر البلدوزر فوق جسمه ".
هذه الوقائع مقروءة مع البين التي قدمت عن حالة البلدوزر من حيث عمره وكفاءته ..الخ ومع الرأي الفني الذي قدمه شاهد المدعى عليها يفيد بأن وقوع الحادث كان نتيجة إهمال من المدعى عليها وإهمال أكبر من جانب المدعى نفسه . وبتحديد أكثر القول بأن توقف البلدوزر كان سببه إهمال المدعى عليها ولكن سقوطه وانقلابه كان بسبب إهمال المدعى . لقد ثبت من البينات أن البلدوزر كان قد تعطل سبع مرات خلال شهرين قبل تعطله يوم الحادث وهذا يدل على تقصير من المدعى عليها في توفير بلدوزر جيد لا يتعرض للعطل والتوقف ويعرض المدعى للخطر وهو فوق الجبل ولكن ثبت أيضا أن توقف البلدوزر يوم الحادث لم يكن السبب المباشر لسقوطه من أعلى الجبل وإنما أدى فقط إلى أن يقوم المدعى بمحاولة إنزال البلدوزر وإلى سقوطه وانقلابه. وما كان للبلدوزر أن يسقط أن ينقلب بعد أن توقف لولا هذه المحاولة التي قام بها المدعى . وقد ثبت أن المدعى كان مخطئاً في محاولته تلك حيث كان عليه إما أن ينزل البلدوزر للخلف في نفس طريق صعوده أو أن يوقفه بالفرامل كما كان يفعل في المرات السابقة التي توقف فيها.
لهذا فإنني أرى أن سقوط البلدوزر الذي أدى إلى ما أصاب المدعى من أذى كان نتيجة إهمال مشترك بين المدعى والمدعى عليها كان الجزء الأكبر منه من نصيب المدعى وقدره بنسبة 80% في حق المدعى و20% في حق المدعى عليها.
خامساً:
وفيما يتعلق بالتعويض الذي ينبغي أن يحكم به للمدعى في هذا النزاع أرى أنه لو كان الحادث موضوع هذا النزاع قد وقع نتيجة إهمال المدعى عليها وحدها كما ادعى المدعى فإنه كان سيستحق كل المبلغ الذي طالب به وهو مبلغ خمسة وعشرين ألف جنيه وذلك بالنظر لجسامة الأذى الذي أصاب المدعى وعظم الخسارة التي حاقت به ، ولكن وبما أن المدعى قد شارك في الإهمال بنسبة ثمانين في المائة كما بينته آنفاً فهو لا يستحق من التعويض المطلوب إلا الخمس فقط أي مبلغ خمسة الآف جنيه أرى أن يصدر الحكم لهبها زائداً أتعاب المحاماة المستحقة عن هذا المبلغ. وبما أن المدعى كان يتقاضى بدون رسوم فعلى المدعى عليها أن تدفع الرسوم المستحقة لمحكمة الموضوع عن هذا المبلغ.