المحكمة العليا

القضاة :            

 سعادة السيد مهدي محمد أحمد        قاضي المحكمة العليا            رئيساً

سعادة السيد حسن محمود بابكر       قاضي المحكمة العليا             عضواً

سعادة السيد هنري رياض سكلا       قاضي المحكمة العليا            عضواً

الاطراف:

الشركة التجارية الوسطى ليمتد                            الطاعن

ضـد

سهير درياس                                             المطعون ضده

م ع / ط م / 149/1975 م

قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين لسنة 1948م– عقد الخدمة – تفسيره شموله لعقد التجربة .

قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين لسنة 1948م– الحقوق التي كفلها – الاتفاق علي خلافها – بطلانه لمخالفته للنظام العام للدولة – المادة 36 من قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين لسنة 1948م .

المبدأ:

1- عقد الخدمة يشمل أي اتفاق لاستخدام أي شخص لايه مدة زمنيه طالت او قصرت وبصرف النظر عن الاسم الذي وصفه المتعاقد ان سواء ذكروا انه عقد تحت التجربة او خلاف ذلك

 2- مفهوم المادة (36) من قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين ان تكون الحقوق التي كفلها للمستخدمين هي أدني ما يقدم لهم وجوبا واي اتفاق بصدد حقوق خلافها لغير صالحهم يقع باطلا لمخالفته لقواعد النظام العام للدولة . ([1])

المحامون :

كامل عبد الرازق                               عن الطاعن

نبيل أديب عبد الله                               عن المطعون ضده

الحكـــم

31/12/1975م

هذا طعن بالنقض مقدم لهذه المحكمة وفقاً للمادة 207 من قانون الإجراءات المدنيـة ضد الحكم الصادر من محكمة استئناف الخرطوم بتاريخ 14/4/1975 في إجراءات استئنافها المدني رقم 553/74 والذي قضى بإلغاء الحكم الابتدائي الصادر مـن محكمة الخرطوم بحري الجزئية لصالح الطاعنة وذلك بشطبة دعوى المدعية المطعون ضدها – في يوم 4/12/1974 في الدعوى المدنية رقم 602 لعام 1973م ثم إصدار حكم لصالح المطعون ضدها بأن تدفع لها الطاعنة مبلغ 180 جنيهاً كتعويـض لها عن الفصل التعسفي يعادل مرتب ثلاثة أشهر وذلك وفق أحكام قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لعام 1949م والتعديلات التي أدخلت عليه بالقانونين رقم واحد لعام 1969 ورقم 34/ 1973م.

في يوم 25/11/1973م أقامت المطعون ضدها هذه الدعوى المدنية ضد الطاعنـة أمام المحكمة الجزئية بالخرطوم بحري وتطالب فيها باسترداد مبلغ 240 جنيه عبارة عن تعويض عن الفصل التعسفي وعن بدل الإنذار على مقتضى أحكام قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين وبعد طلب تفاصيل والرد عليها قدمت الطاعنة مذكرة بدفاعها وجوهر الدفاع يتلخص في أن الطاعنه كانت تعمل بعقد تحت التجربة لمدة شهرين " سبتمبر وأكتوبر " من عام 1973 ولما اتضح خلال عقد التجربة عدم قدرتها على العمل فإن الطاعنة أخطرتها بذلك واستغنت عن خدماتها قبل إنقضاء مدة التجربة وبعد طلب تفاصيل بصدد مذكرة الدفاع والرد عليها قدمت المطعون ضدها المدعية تعقيبها على مذكرة الدفاع بعد ذلك حددت الإقرارات ونقاط النزاع على ضوء المرافعات الأولية ثم وضعت الدعوى للسماع ، وحتى هذه المرحلة لا يوجد أي دفع للتنازل عن أي حق –إن وجد- مقدم من الطاعنة في مواجهة المطعون ضدها ومن ثم فلم تحدد نقطة نزاع بشأنه بالطبع وفي يوم 17/7/1974 بدأ في سماع الدعوى وأثناء أداء المدعية لشهادتها إستجوبها محامي المدعى عليها عن مستند الدفاع رقم (1) الذي قدمه لها لأول مرة وهو يحوي تسوية شاملة لأي حق للمطعون ضدها ضد الطاعنة . وواضح من المناقشة أن ذلك المستند قد أبرز على أنه تنازل عن أي حق للمطعون ضدها في مواجهة الطاعنه على افتراض وجوده  . وبعد إعتراض على تقديم مثل ذلك الدعم في تلك المرحلة المتأخرة – أثناء سماع البينات – ورداً عليه قررت المحكمة ضم الدفع للموضوع للفصل فيه بحكم واحد منهي للخصومة . وبعد إنتهاء شهادة المدعية المطعون ضدها سمعت شهادة زوجها وقفلت قضية الإدعاء . وفي قضية الدفاع تم سماع مدير الطاعنة وموظف بها ثم قفلت لتقديم المرافعات الختامية التي لم تصل إلا من المطعون ضدها وحدها . وفي يوم 24/1/1974 صدر الحكم الإبتدائي قاضياً بشطب دعوى المدعية المطعون ضدها . وقد تأسس على  قرار وقائعي بأن ما حصل بين الطرفين كان عقد تجربة لم يعالجة القانون ومن ثم تحكم نصوصه علاقة طرفيـة وأن الطاعن قد أنهاه نهاية صحيحة وفق شروطة واستند كذلك على أن الحقوق الواردة في قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين إنما هي حقوق خاصة لا تتعلق بالقطاع العام ومن ثم يجوز للمخدم والمستخدم الاتفاق على ما يخالفها والتنازل عنها . وعلى ذلك اعتمد على مستند الدفاع رقم "1" وقرر أن المدعية تنازلت بمقتضاه عن حقوقها ولم ترض المطعون ضدها المدعية بذلك الحكم فاستأنفتة لدى محكمة استئناف الخرطوم في يوم 16/12/1974 . وبعد السماع عن طريق المذكرات أصدرت  محكمة الاستئناف حكمها المطعون فيه بهذا الطلب أمامنا عن طريق النقض وقد استندت محكمة الاستئناف في حكمها ذلك على أساس أن تعريف العمل الوارد في المادة الثانية من القانون يشمل أي عقد عمل ولاية مدة وسواء كان تحت التجربة أو خلاف ذلك . ورتبت على ذلك أن فصل المطعون ضدها ذاك إنما وقع فصلاً تعسفياً وفق المادة العاشرة من القانون مما يجعلها مستحقة لتعويض عن ذلك مقداره مرتب ثلاثة أشهر . وفات عليها أن تتعرض لمرتب شهر بدل إنذار الذي نص عليه ذات القانون وطولب به في كل مراحل الخصومة . وقد صمتت محكمة الاستئناف كذلك عن موضوع الدفع بالتنازل الوارد النص عليه في مستند الدفاع "1" والذي استندت عليه محكمة الموضوع مع إنه ورد صراحة كواحد من أسباب الاستئناف المثبتة في عريضة الاستئناف المقدمة لها .

ومن ثم كان طلب الطعن بالنقض المعروض أمامنا .

إن أسباب الطعن المقدمة لنا تتلخص فيما يلي :

1. لا يوجد عقد عمل بين الطاعنة والمطعون ضدها إذ كل ما حصل لا يعدو أن يكون عقد خدمة تحت التجربة لمدة شهرين . وبما أن قانون المخدمين والاشـخاص المستخدمين في مادته الثانية لم يعالج عقد الخدمة تحت التجربة فإن مثل هذا العقد لا تحكمه قواعد ذلك القانون إنما تحكمه القواعد العامة للعقود . وبناء على نصوص الاتفاق فقد استعملت الطاعنة حقها التعاقدي في الاستغناء عن المطعون ضدها خلال فترة التجربة وذلك لثبوت عدم قدرتها على العمل .

2- إن الحقوق الوارد النص عليها في قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين هي حقوق خاصة وشخصية لأنها تخرج عن دائرة النظام العام ومن ثم يجوز الاتفاق على ما يخالفها بل يجوز التنازل عنها وإن كان الطاعن لا يوضح لنا ناحية تطبيق هذه القاعدة التي يراها على القضية إلا أنه يبدو أنه يريد القول أن ما حصل وعلى افتراض إنطباق القانون عليه فإنه يجوز التعاقد على خلاف نصوص القانون كما يجوز التنازل عن تلك الحقوق .

3- إن واقعة العمل تحت التجربة قد ثبتت أمام محكمة الموضوع مما لا يجوز معه لمحكمة الاستئناف التعرض لها ولا للمحكمة العليا كذلك .

4- إن محكمة الاستئناف لم تعالج مسألة التنازل التي عرضت عليهـا وفقاً للمستنـد الكتابي المقدم في هذا الصدد والذي تقر المطعون ضدها بتوقيعه ووفق ذلك المستند فقد تنازلت المطعون ضدها عن أي حق لها – إن كان وهو غير كائن – كتابة مما يجعلها ممنوعة من رفع الدعوى بموجب ذلك التنازل الصادر منها طواعية وفي غير إكراه  .

وفي الختام تدعونا الطاعنة لإلغاء الحكم المطعون فيه وتأييد حكم محكمة أول درجة .

 ردت المطعون ضدها على أسباب الطعن على النحو التالي :-

1-  بخلاف ما ورد في الأسباب فإن محكمة أول درجة لم تتعرض في حكمها لثبوت أن العقد كان عقد خدمة تحت التجربة وإنما استند حكمها  ذلك على اقتناعها بأن المطعون ضدها قد تنازلت عن حقوقها . وكذلك فإن محكمة الاستئناف لم تتعرض لمسالة ثبوت أن العقد كان عقد خدمة تحت التجربة من عدم ذلك إذ أنها قررت أن الطاعنة لا تستفيد شيئا سواء كان العقد تحت التجربة من عدم ذلك . والثابت في المحضر أن الطاعنة قد فشلت في إثبات إدعائها بأن العقد كان لفترة تجربة .

2- أن قاعدة  أن العقد شريعة المتعاقدين ليست قاعدة مطلقة بل تتم في حدود القوانين التي تقيدها ومن ثم فالتعاقد خارج ما نص عليه القانون غير جائز .

إن قواعد القانون الخاص تنقسم إلى قواعد آمرة وأخرى مقررة وأي إتفاق يخالف القواعد الآمرة يقع باطلاً ولا أثر له . والواضح أن قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين يمثل سياسة عامة هدفها حماية المستخدم لأنه في وضع أضعف .لذلك فإذا قبلت نظرية التنازل عن الحق في ظله لأصبح القانون بغير معنى لأن المخدم سيفوض شروطه على المستخدم   .

3- إن الإتفاق في مخالفة القانون يجوز أو يبطل وفق قواعد تفسير القانون . ويقع الإتفاق المخالف للقانون باطلاً إذا نص القانون على ذلك ومن هذا النوع قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين حسب ما ورد في المادتين 35و10 منه كذلك إذا صدر قانون بهدف حماية طائفة معينة فإنه لا يجوز الاتفاق في مخالفه له لغير صالح تلك الطائفة . وهذا هو حل قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين ويقع أيضاً باطلاً أي إتفاق مخالف للقانون إذا نص هذا القانون على عقوبة جنائية عند مخالفته وبما أن قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين ينص على عقوبة لمخالفة المادة 10 منه فإنه لا يجوز التنازل عن الحقوق المنصوص عليها فيه ولا الاتفاق على حرمان المستخدم منها .

4- إن القول بأن عقد العمل كان لفترة تجربة هو قول بالإضافة إلى ثبوته لا يفيد الطاعنة قانوناً لأن تعريف عقد العمل الوارد في المادة الثانية من القانون يشمل العقد لأي  زمن مما يعني أن التعريف يشمل عقد التجربة ولا يستثنيه . ومن ثم فحتى إذا كان العقد تحت التجربة لفترة زمنية محددة فإن ذلك لا يحرم الطاعنة من حقوقها تحت القانون . وحتى إذا كانت الطاعنة تدعي عدم الكفاءة فإنه بالإضافة إلى التزامها بإثبات ذلك فإن الفصل على هذا الأساس يعتبر فصلاً تعسفياً لحصوله قبل الحصول على موافقة مدير مصلحة العمل وفقاً للمادة 10 من القانون .

5- إن الحكم الإبتدائي استند على التنازل عن الحق دون أن يتعرض لمسألة التعاقد في مخالفة لقاعدة قانونية آمرة وهذا التنازل لم يدفع به في المرافعات الأولية قبل السماع مما يمتنع معه قانوناً على المحاكم الأخذ به لأن ذلك يعتبر قانوناً تنازلاً عن إبدائه وفق حكم السابقة القضائية المسجلة على الصفحة رقم 162 من مجلة الأحكام القضائية القانونية السودانية لعام 1960 .

وفي الختام تطلب منا المطعون ضدها شطب الطعن برسومه مع القيام   بمراجعة حكم محكمة الاستئناف وفق طلب المراجعة المقدم لها بصدد بدل شهر الإنذار و المصروفات .

وفي هذا الحكم نتعرض لسائر ما أثارته الأسباب والرد في ما هو منتج دون التقيد بترتيب معين إذ هذا هو المناسب وفق مجمل ما تثيره الأسباب والرد عليها . نبدأ بدفع التنازل والذي كان سبباً رئيسياً من الأسباب التي استندت عليها محكمة أول درجة في حكمها القاضي بشطب دعوى المطعون ضدها .

في غير إسهاب نقول إن من قواعد الأصولية في مجال الإجراءات المدنية تحديد مراحل معينة يتعين تقديم دفوع معينة خلالها أو قبل الوصول اليها . والحكمة من هذه القاعدة الأصولية هي تحقيق العدالة الناجزة وذلك بدفع الخصوم إلى الجدية في منازعتهم وتجنب تعطيل الفصل في حقوق الناس ومنازعتهم ولقد نحت هذا النحو سائر القوانين الإجرائية التي سرت في بلادنا قانون المرافعات المدنية لعام 1972 أخذ بهذه القاعدة " مثل المادة 127" منه وقانون الإجراءات المدنية لعام 1974 " مثل المادة 74 منه " وكذلك قانون القضاء المدني لعام 1929 في مرحلتي سريانه " مثل القاعدة 10 من الأمر الثاني للجدول الأول الملحق به "  .

     في هذه القضية قدمت عريضة الدعوى بطلب تعويض عن فصل تعسفي وفقاً لأحكام قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين . وإذاً فالطلب لا يستند سببه على نصوص العقد ذاته حال سريانه أو بسبب الإخلال به وفق الأحكام العامة للعقد إنما سببه هو القانون إذ هو وحده مصدر الالتزام المطالب الوفاء به في الدعوى .

بعد طلب تفاصيل والرد عليها قدمت الطاعنه مذكرة دفاعها في مناهضتها للدعوى وقد جاءت خالية تماماً ويلزم قانوناً أن تشتمل على سائر الدفوع المناهضة للدعوى من أي دفع بالتنازل عن الحق . بعد التعقيب على مذكرة الدفاع حددت الإقرارات ونقاط النزاع . وقد خلت بالطبع من نقطة بصدد التنازل عن الحق المطالب به في الدعوى . وعند سماع شهادة المدعية المطعون ضدها وفي مرحلة استجواب محامي الطاعنة لها تم تقديم مستند دفاع "1" لها للإجابة على أسئلة بصدده والمستند يشمل ضمن ما يشمل موضوع التنازل عن الحق الذي أثير بعد ذلك في المرافعات واستند عليه حكم محكمة أول درجة كسبب من أسباب الحكم ضد المطعون ضدها .

ويتضح من كل ذلك أنه وفقاً للقوانين الإجرائية التي سادت وبالذات وفق القانون الذي حكم الواقعة وهو قانون القضاء  المدني بعد أن أعاده للعمل قانون تنظيم القوانيين " القاعدة 10 من الأمر الثاني للجدول الأول " أن الطاعنة لم تقدم دفعها المتعلق بالتنازل في موعده القانوني وهو وقت تقديم المذكرة للدفاع التي يتعين قانوناً أن تشمل ذلك كي تحدد نقطة نزاع بصدده . وكذلك فإنها – الطاعنة – لم تقدم مذكرة إضافية بدفع التنازل للرد عليه وتطلب من المحكمة إستعمال سلطاتها التقديرية القانونية بتحديد نقطة نزاع إضافية عن ذلك . ومن ثم فإن ما جرى قد ورد مخالفاً للقانون الإجرائي المنطبق مما كان يتعين معه على محكمة الموضوع رفض دفع التنازل عن الحق على النحو والمرحلة التي قدم فيها ونرى إنطباق الحكم المقرر في السابقة القضائية المنشورة على الصفحة رقم 162 والاخرى على الصفحة رقم 151 من مجلة الأحكام القضائية لعام 1960 على الحالة المعروضة أمامنا ذلك لأن ركن التشابه في الحالتين متوافر إذ الجوهر فيهما واحد هو موعد تقديم الدفع بالتنازل عن الحق وترتيب السقوط جزاءً لعدم مراعاة ذلك وبصرف النظر عن كون الحق موعداً للإقتضاء أو خلافه ولذلك فرد المطعون ضدها على هذه النقطة أمامنا صحيح قانوناً .

النقطة الثانية التي نتعرض لها والمثارة في الأسباب والرد عليها تتعلق بطبيعة العلاقة القانونية التي قامت بين الطرفين . يتأسس الإدعاء بأن ما تم كان عقد عمل وفقاً لقانون المخدمين والاشخاص المستخدمين وليس عقد عمل تحت التجربة ويضيف أنه على افتراض أن ما تم كان عقد عمل تحت التجربة فإن ذلك لا يغير في الموقف القانوني إذ أن القانون يشمل عقد التجربة أيضاً . ويرى الدفاع أن ما حصل

كان عقد عمل تحت التجربة لا يحكمه القانون إنما تحكمه نصوص العقد وقد أنهي طبقاً لها .

إن قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين الذي صدر في فبراير عام 1949 قد صدر فرضاً في ظل ظروف تاريخية معينة معروفة كمسالة تدخل في نطاق العلم العام وهي اشتداد شوكة الحركة النقابية التي وضحت خلال تلك الحقبة من الزمان وهي النصف الثاني من الأربعينيات . وهذا ظرف قاطع الدلالة في تفسير الحكمة من التشريع وهي أنه إنما صدر بهدف حماية فئة معينة هي فئة المستخدمين في مواجهة مخدميهم بسبب أن الأخيرة في موقف إقتصادي أقوى من الأولى الأمر الذي يتيح لها فرصة إستغلال المستخدمين وفرض إرادتها عليهم بطريقة تجافي العدالة . ونفس ذلك الظرف التاريخي قد برز في أواخر الستينات وفرض اصدار تشريع يعدل القانون لصالح المستخدمين هو قانون رقم واحد لعام 1969 وبالإضافة إلى الحكمة من التشريع هذه المستقاه من ظروف اصدار القانون فإن قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين قد أفصح عن هذا الهدف في مادته رقم 35 ومفهوم المخالفة المستقى منها وكذلك في المادة 36 منه التي خلقت من مخالفة أحكام القانون جرائم جنائية مع أنها بطبيعتها مدنية وعلى ضوء كل ذلك نأتي لتفسير نص المادة الثانية من القانون في تعريفها لعقد الخدمة . إن هذه المادة عرفت عقد الخدمة بأنه يعني عقد الاستخدام لأية مدة زمنية دون استثناء إلا لعقد التدريب الذي يحكمة قانون التدريب إنها لم تتعرض ولم تستثنى ما يسمي بعقد تحت التجربة . ومن ثم فإن التعريف ذاك يتعين تفسيره لكي يشمل أي اتفاق لاستخدام لأية مدة زمنية طالت أو قصرت وبصرف النظر عن الإسم الذي وضعه له المتعاقدان سواء ذكروا أنه تحت التجربة أو خلاف ذلك . والقول بغير ذلك يهزم تماماً الحكمة من التشريع وفق ظروف إصداره ووفق نصوصه وهي حماية فئة مستضعفة في مواجهة أخرى قوية . ذلك إذا قلنا بأن ما يسمى بعقد التجربة يخرج عن نطاق القانون – إن المخدم بحكم موقفه الأقوى يستطيع أن يستخدم الناس ووفق عقود يسميها عقود تجربة ولو كانت غير محددة المدة أو كانت مدتها سنين طويلة ومن ثم يتمكن من فصل المستخدم متى شاء ولو بعد سنين طويلة حارماً إياه من فوائد ما بعد الخدمة التي قررها القانون . ولا نستطيع أن نقول بذلك قانوناً إذ معناه إلغاء القانون وإهدار الهدف من إصداره . ومن ثم  - ودون حاجة للتعرض لما ثبت وقائعاً بصدد طبيعة تلك العلاقة بين الطرفين – فإننا نقرر إن ذلك الإتفاق وبصرف النظر عن الإسم الذي وضع له وطبيعة ذلك إنما يشكل عقد خدمة وفقاً لتعريف ذلك الوارد في المادة الثانية من قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين وبالتالي تحكمة سائر القواعد التي نص عليها هذا القانون ولذلك فالنعي بهذا السبب غير صحيح والصحيح  هو ما ورد في الرد على الأسباب . وليس في هذا القول إضرار بالمخدم إذ طريق إجراء الإختيار النظري والعملي قبل الدخول في عقد الخدمة مفتوح له .

إن النقطة الثالثة المثارة أمامنا تتعلق بطبيعة حقوق المستخدمين التي كفلها القانون بمعنى هل هي حقوق شخصية تخرج عن دائرة النظام العام ومتى يجوز للمخدم والمستخدم أن يتفقا على ما يخالفها لغير صالح المستخدم كما تقول الطاعنة أم إنها حقوق آمرة تدخل في نطاق النظام العام يبطل كل  إتفاق يخالفها إذا ورد لغير صالح المستخدم كما تقول المطعون ضدها . والإجابة على هذه النقطة قد وضحت في إجابتنا على النقطة الثانية وباختصار نكرر القول أن قانون المخدمين والاشخاص المستخدمين هو قانون صدر لحماية مصالح فئة ضعيفة في مواجهة أخرى أقوى وبسبب هذه الحكمة من إصداره فإنه يتعين القول بأن حقوق المستخدمين التي نص عليها تدخل دائرة النظام العام ومن ثم يبطل كل إتفاق يخالفها ما لم يرد لصالح المستخدم – بمعنى أن يرد الإتفاق على حقوق أفضل من التي نص عليها القانون . وحسب الحكمة من التشريع فإن المادة 35 من القانون إنما تفسر بمفهوم المخالفة لتعني حظر الإتفاق على أجور أو فوائد أخرى من أي نوع تقل عن ما نص عليه القانون . ومن ثم ووفق صريح هذا النص فإن الإتفاق على أقل مما نص عليه القانون يخالف قاعده قانونية آمرة تدخل دائرة النظام العام ومن ثم يقع باطلاً .

صحيح أن خلق جرائم جنائية على مخالفات هي بطبيعتها مدنية يشير في كثير من الأحيان إلى قصد المشرع جعل الحق موضوع المخالفة  يدخل في نطاق النظام العام للدولة لا يجوز الاتفاق على ما يخالفه . وعلى ضوء ما استعرضناه من طبيعة وحكمة هذا القانون إننا نقرر أن المشرع قد قصد بمفهوم المادة 36 من القانون أن تكون الحقوق التي كفلها للمستخدمين هي أدنى  ما يقدم لهم وجوباً وأي اتفاق بصدد حقوق خلافها لغير صالحهم يقع باطلاً لمخالفته لقواعد النظام العام للدولة .

لكل ذلك فإننا نقرر أن مستند دفاع "1" – إذا صح صدوره بمحتوياته تلك من المطعون ضدها  وكان يعني إتفاقاً على تنازل من فوائد ما بعد الخدمة التي نص عليها والمطالبة في الدعوى – قد حوى إتفاقاً يخالف القانون لأنه في غير صالح المستخدم إذ حرمه من حق منحه له القانون . وبما أن هذه مخالفة لقاعدة آمرة في القانون تتعلق بالنظام العام فان ذلك الإتفاق – إن كان – قد وقع باطلاً ولا أثر له ولذلك فالنعي بهذا السبب غير صحيح والصحيح هو ما ورد في الرد عليه .

أما تحدث الأسباب عن ثبوت واقعة العمل تحت التجربة أمام محكمة الموضوع ونفي الرد لذلك فلا نتعرض لها لأننا قررنا أن التفرقة لا يترتب عليها أثر قانوني مخالف

أما عدم تعرض محكمة الاستئناف لدفع التنازل وهو معروض أمامها فخاطئ ما في ذلك شك وقد حسمنا نحن هذه المسألة .

في رده على الأسباب أوضح محامي المطعون ضدها تقديمة طلب مراجعة لمحكمة الاستئناف ودعانا لأن نقوم بذلك لأن الإجراءات أمامنا ونملك صلاحية الفصل فيه .

سواء كان الإجراء المقدم طلب أو طلب تصحيح فإنه وفقاً للفصلين الأول والثاني من الباب التاسع لقانون الإجراءات المدنية لعام 1974 يقدم للمحكمة التي أصدرت الحكم للفصل فيه وليس للمحكمة الأعلى وبما أن ذلك لم يحصل فإننا لا نختص قانوناً بالنظر في ذلك .

لكل ذلك من أسباب فإننا نقرر رفض هذا الطعن بالنقض ونلزم الطاعنة بالرسوم .

 



/ ( 1975) مجلة الاحكام القضائية السودانية – صفحة 166[1]