المحكمة العليا
القضاة:
صاحب السعادة السيد/ خلف الله الرشيد رئيس المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد/ مهدي محمد احمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد/ هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا عضواً
الأطراف :
نجيب شكري مقدم الطلب والمدعى عليه
ضــــد
فوزي فانوس مقدم ضده الطلب والمدعى
م ع / ط م /5/1972م
قانون العقود- الاتفاق الذي ينصرف القصد منه إلى شئ غير موضوع الاتفاق- بطلان العقد إذا خالف النظام العام. تعاقد المدعى وهو غير سوداني مع المدعى عليه على أن يكون مدربا لعمال الاخير في حياكة الملابس الثقيلة مقابل مرتب اتفقا عليه. غير أن البينات أشارت إلى أن التعاقد كان الغرض منه إعطاء المدعى فرصة البقاء والعمل بالسودان ولم يكن الغرض منه التعاقد بين الطرفين على القيام بالعمل.
المبدأ:
إذا تعاقد أطراف العقد على شئ وكان إتفاقهما سليما قانونا ولكن القصد من ذلك الإتفاق لم يكن ما إتفق عليه، وانصرف القصد إلى شئ آخر يجوز لاي من الأطراف إبطاله كما يجوز للمحكمة أن تقضي بالابطال من تلقاء نفسها. ([1])
رأي عابر:
إذا تم العقد سليما في القانون ولكنه إنصرف لتحقيق غرض غير ما نص عليه فيه وقع مخالفا للنظام العام ويجوز إبطاله.
المحامون:
كامل عبد الرازق عن المقدم ضده الطلب
الحكم:
2/6/1973م
هذا طعن بطريق النقض تقدم به الطاعن من الحكم الصادر في 12/7/1973 من المحكمة الكلية بالخرطوم بحري. في الاستئناف رقم 185/1971. وتقدم المطعون ضده بمذكرة دفاعه.
وتتلخص وقائع النزاع في أن المطعون ضده أقام في 16/1/1971 القضية رقم 32/1971 أمام محكمة العمل بالخرطوم بحري مطالبا مقدم الطلب (المدعى عليه) بإسترداد مبلغ 612.500 ملمج على أساس أنه بموجب عقد عمل حرر في 8/2/1969 التحق بخدمة الطاعن كمدرب للخياطين بمحل المدعى عليه بمرتب سنوي قدره 300 ج وأنه ظل يعمل منذ ذلك التاريخ حتى فصل من العمل دون مبرر في 23/12/1970، وأنه لم يكن يتقاضى من مرتبه الشهري أو السنوي أي شئ طوال مدة عمله، وأنه لم يستلم من الطاعن غير 25جنيه كإستجرار، ولذلك طالب بالمبلغ المذكور على التفصيل الآتي:
575.000 ملم ج باقي مرتب سنتين
37.500 تعويض عن باقي مدة العقد
وأنكر الطاعن دعوى المطعون ضده على أساس أن عقد العمل المذكور الموقع من جانب الطاعن عقد صوري الغرض منه مساعدة المطعون ضده في البقاء في السودان والعمل فيه. وان المطعون ضده لم يكن يعمل معه طوال مدة السنتين وإن كان قد إستعان به أحياناً في حياكة بعض الملابس مقابل أجر معين، وأن الطاعن قد سمح للمطعون ضده بإستخدام جزء من الأجرة التي يطالب بها المطعون ضده لصورية العقد وذلك لأن المطعون ضده لم يكن يعمل معه خلال تلك الفترة بل كان يباشر عملا لدى آخرين أحياناً وعلى إستقلال أحياناً أخرى.
بعد إعداد نقاط النزاع في الدعوى ، سمعت المحكمة أقوال الطرفين وشهودهما . وأصدرت حكما في 30/8/1971م بأن يدفع الطاعن للمطعون ضده مبلغ 275 جنيها كإستحقاق له خلال السنة الثانية من العقد ورفضت الحكم بالأجرة المستحقة عن السنة الأولى للتعاقد لسقوط الحق بالتقادم.
وأستأنف الطاعن هذا الحكم لدى المحكمة الكلية بالخرطوم بحري فقضت برفض الاستئناف تأسيسا على أن العقد بين الطرفين صحيح لا مطعن عليه.
وأنه لا يجوز للطاعن إثبات ما يخالف ما ورد فيه ولا إثبات عدم مشروعية التعاقد لأنه لا يجوز التمسك بعدم المشروعية لمن تسبب فيها وكان سيء النية وأن المطعون ضده يستحق أجرة حتى إذا لم يكلف بعمل متى كان راغب ومستعدا لأداء العمل الذي يعهد له به ولا يضيره أن الطاعن لم يقدم له ما يؤديه.
وتقدم الطاعن بطعن من هذا الحكم بطريق النقض ولم يبين الطاعن أسباب طعنه على وجه التحديد إلا أنه قال"وتقدم المحكوم بإستعلام إلى المحكمة الكلية التي حددت جلسة يوم 5/7/1972م للسير في الإجراءات وفقا للقرارات الحديثة" ثم استطرد الطاعن قائلا:"قبل تاريخ الجلسة المحددة جاءتني ظروف إضطرارية أدت إلى سفري لخارج العاصمة – إلى مدينة الأبيض – وقد غادرت الخرطوم فعلا على أن احضر قبل التاريخ المحدد ولكن ظروف الخريف أدت إلى تأخير القطار السبب الذي جعل محكمة الموضوع تصدر حكما غيابيا ضدي وعليه التمس إلغاء الحكم الغيابي والأمر بفتح الدعوى".
ولما كان يبين من الاطلاع على الأوراق ، أنه بعد تقديم الطاعن لعريضة الإستئناف حددت المحكمة الكلية جلسة 5/7/72 لنظر الاستئناف. ولما حضر الطاعن والمطعون ضده لتلك الجلسة وأصر كل منهما على الاكتفاء بما ورد من وقائع وأسانيد وعلى ما قدم من مذكرات من المحامين عن الطرفين أجلت المحكمة الكلية النطق بالحكم لجلسة 12/7/1972م، وقد نطقت به في تلك الجلسة فعلا في غيبة الطاعن وحضور المطعون ضده ، فإن الحكم المطعون فيه لا يكون غيابيا ، بل هو حكم حضوري في معنى المادة 106 من قانون المرافعات المدنية لسنة 1972م.
ولما كانت أسباب الطعن لا تأخذ على الحكم المطعون فيه عيبا محددا ، ولكن المراد منها التظلم من قانونية وصحة الحكم بإعتبار أن النتيجة التي انتهت إليها المحكمة غير موافقة للقانون بناء على الدفوع التي أبداها المدعى عليه مقدم الطلب أمام محكمة أول درجة وأسباب الإستئناف التي ساقها محاميه أمام المحكمة الكلية.
ولما كان طرفا العقد قد أرادا بتحريره إيهام السلطات الحكومية بأن المقصود من حضور المطعون ضده من القاهرة إلى الخرطوم هو العمل على تدريب السودانيين لصنع الملابس الثقيلة"البدل" لقلة الأيدي الماهرة في هذا الفرع من فروع الحياكة في حين أن قصدهما قد إنصرف إلى إيجاد وسيلة للمطعون ضده لكسب العيش من العمل في السودان فإن ما ساهم فيه كل من الطاعن والمطعون ضده يعتبر تحايلاً على القانون ، قصد به الاحتيال عليه ، وان لم يقصد أي منهما الاحتيال أو غش الآخر. ومن ثم يجوز لكل منهما إثبات بطلان العقد لمخالفته النظام العام ، بكل الطرق بما في ذلك شهادة الشهود والقرائن كما يجوز للمحكمة من تلقاء نفسها أن تقضي بذلك.
ولما كان الطاعن لم يطعن في السلامة المادية لعقد العمل المذكور بل اعترف بتوقيعه إياه ، ولكنه طعن بعدم مطابقة المدون فيه للحقيقة استنادا إلى أنه لم يكن المقصود من العقد أن يلتحق المطعون ضده بالعمل مع الطاعن، كما أن المطعون ضده لم يقم بأي عمل للطاعن خلال المدة التي طالب فيها بمتأخرات مرتبه ، مما يعني أنه وإن كانت هناك ثمة رابطة قامت بين المطعون ضده وبين الطاعن ، فهي رابطة عارضة "مقاولة لتفصيل البدل" وأنه ليس هناك سبب أو مقابل تقوم عليه مطالبة المدعى.
ولما كان السبب الرئيسي للعقد المبرم بين الطرفين هو أن يقوم المطعون ضده بتدريب العمال في محل الطاعن وفق ما هو منصوص عليه في ذلك العقد ، ولما كان المطعون ضده قد عجز عن إيراد الأدلة على قيامه بذلك ، إذ كل ما ذهب إليه أنه قام بأعمال الحياكة ، ولما كان الطاعن قد أقام الدليل على صورية ذلك السبب بشهادة كل من جورج مخائيل فحام(ش.د.3) وجميل طورنيان(ش.د.5) إذ شهد جورج مخائيل بأن المطعون ضده عمل معه منذ 6/12/1970م حتى 4/1/1972م وشهد جميل طورنيان (ش.د.5) بأن المطعون ضده عمل معه لمدة خمسة عشر يوما بالتقريب مما يؤدي إلى القول أن المطعون ضده لم يكن يعمل مدربا لعمال مقدم الطلب وأنه كان يعمل مع غير الطاعن أساسا وإن كان قد قدم للطاعن بعض الخدمات كلما طلب منه الاخير ذلك، مما يؤيد قول الطاعن من أن العقد المبرم كان غير مشروع وليس سببه هو تدريب عماله بالخرطوم بل كان السبب أن يعمل المطعون ضده على إستقلال أو في خدمة غيره. ولقد دلل الطاعن على أن المطعون ضده كان يعمل مع غيره بأقوال الشاهدين المذكورين فضلا عن أقوال جميل جورج (ش.د.4) وجون سركيس(ش.د.6) التي تثبت أن المطعون ضده كان يستلم منهما بعض الملابس لإعدادها كما ثبت بإقرار المطعون ضده بأنه كان لا يطالب الطاعن بشئ وأن العقد كان باطلا غير ملزم لاي من طرفيه فقد ذكر جميل جورج"كان قال لك- الطاعن – أنا ما عايز منك أي حاجة إذا عملت لي عقد وأنا عايز أقعد في البلد وبس".
ولما كان الحكم المطعون فيه قد التفت عن جميع تلك الوقائع التي تثبت عدم مشروعية العقد المبرم بين الطرفين ، كما التفت عن أن يستخلص من عدم مطالبة المطعون ضده بالأجرة شهرا بعد شهر طوال عامين وإقراره بانه كان يدفع للطاعن خمسين قرشا في كل "بدلة" يقوم بحياكتها للغير بدكان الطاعن إن في ذلك دلالة على أن المطعون ضده لم يكن يعمل بخدمة الطاعن ذلك لانه مما يتجافى مع متقضى العقل والمنطق ألا يطالب العامل بإجرته الشهرية وليس له مدخر أو رصيد يساعده على إعالة نفسه واسرته في بلد هاجر إليها لكسب القوت. كما أنه ليس من السائغ أن يقوم المطعون ضده بدفع خمسين قرشا عن كل قطعة يقوم بحياكتها لغير الطاعن وفي دكانه ، في حين أنه يجوز له الاحتفاظ بها خصما من المستحق له لو كانت للمطعون ضده أجرة عن عمله لدى الطاعن.
لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه المؤيد لحكم المحكمة الجزئية لاسبابه قد بنى على غير الثابت في الأوراق وشابه قصور في التسبيب وفق الاستدلال ذلك لان ادعاء المطعون ضده بأنه كان يعمل في خدمة الطاعن عملا يوميا متصلا، عار من الدليل من ناحية كما أن الظروف الملابسة والقرائن والادلة التي ساقها الطاعن تدحض دعوى المطعون ضده من ناحية أخرى على ما سلف بيانه مما يستوجب نقض الحكم.
ذلك يتعين:
(1) نقض الحكم الصادر من المحكمة الكلية والحكم الصادر من المحكمة الجزئية
(2) شطب الدعوى
(3) يلزم الطاعن برسوم الطعن وترد له الكفالة.