المحكمة العليا

القضــاة :

سعادة السيد/مهدي محمد أحمد         قاضي المحكمة العليا              رئيساً

سعادة السيد  /هنري رياض سكلا     قاضي المحكمة العليا              عضواً

سعادة السيد  / التيجاني الزبيــر    قاضي المحكمة العليا باللإنابة     عضواً  

الأطراف :

هنري داؤد العيني                                    الطاعن

ضد

أسماء عباس احمد                                   المطعون ضده

م ع/ ط م/287/1974م

قانون العمل – خصائص عقد العمل الاساسية – الاشراف والرقابة – قانون تعويضات العمال سنة 1948م

قانون العمل – تحديد استمرار العمل وانقطاعه – يعتمد علي ظروف كل حالة علي حده.

المبدأ:

1-   الاشراف والرقابة من خصائص عقد العمل الاساسية ويستوي في ذلك عقد العمل المستمر وعقد العمل العرضي . ولكن عنصر الاشراف والرقابة يصلح للتمييز بين عقد العمل وعقد المقاولة .

2-   لتحديد استمرارية العمل يجب النظر الي خصوصيات العلاقة بين الطرفين من تحديد لساعات العمل والتزام بمواعيد الحضور والانصراف والتزام صاحب الفضيلة الشيخ  العمل بتعين  المستخدم في كل موسم أو توفير العمل يوميا له الخ، وكل حالة ينظر اليها علي حسب ظروفها من اجل التوصل الي استمرار العمل او انقطاعه . ([1])

المحامون:

فوزي التوم                                        عن الطاعن

الحكم:

11/10/1974م

          هذا طعن عن طريق النقض ضد حكم محكمة الاستئناف المدنية الذي صدر بتاريخ 4/6/1974 في الاستئناف رقم 46/1974 والذي يقضي بالغاء حكم محكمة الموضوع وقاضي المديرية بشطب دعوى المطعون  ضدها واصدار حكم لصالحها بالمكافأة التي تستحقها وفقا لاحكام قانون تعويضات العمل.

      تتلخص وقائع الطعن في ان المطعون ضدها أقامت بتاريخ 4/8/1973 الدعوي المدنية رقم 429/1973 لدي محكمة العمل بالخرطوم بحري تدعي فيها أنها كانت تعمل مع الطاعن في نظافة نبات السنمكة وتتقاضي أجرها اسبوعيا بالقطعة بواقع الرطل 4 قروش وأنها استمرت في خدمة الطاعن لمدة 7 سنوات ثم فصلت ولذلك تلتمس الحكم لها بمبلغ 33,600 (مليمج) عبارة عن استحقاقها في المكافأة ، وقد أنكر الطاعن الدعوى ناهض طلبات المطعون ضدها ودفع بأن العقد بينه وبين المطعون ضدها عقد مقاوله وليس عقد خدمة كما أن خدمتها لم تكن مستمرة وبالتالي لا تستحق أي مكافأة .

        وقد حددت نقاط النزاع علي ضوء تلك الدفوع واستمعت المحكمة للبينات التي ساقها الاطراف ثم خلصت الي ان عمل المطعون ضدها كان عرضياً وانه يفتقد لعنصر الاشراف والتبعية ومن ثم قضت بشطب الدعوي ، وقد تايد قرار الشطب في الاستئناف لدي قاضي المديرية وفي الطعن امام محكمة الاستئناف خلصت المحكمة الي أن خدمة المطعون ضدها مستمرة وليست عرضية ومن ثم قضت بالغاء قرار شطب الدعوي وأمرت باصدار حكم لمصلحة المطعون ضدها باستحقاقها تحت قانون تعويضات العمل ، ومن ثم طلب الطعن بالنقض الحالي .

      وينعي محامي الطاعن علي الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وذلك حين قضي بأن عمل المطعون ضدها كان عملا مستمراً بالرغم من فقدان الرقابة والاشراف من صاحب العمل ، كما ينعي  عليه القصور في التسبب والخطأ في الاستدلال اذ قضي باستمرار عمل المطعون ضدها استنادا علي واقعة فردية هي استمرار العمل طوال العام ماعدا موسم الخريف ويقول في بيان ذلك ان المحكمة لم تلتفت الي ماورد في البينات من وقائع دالة علي ان المطعون ضدها في خلال فترات العمل لم تكن مقيدة بهذا العمل ولا بإنتاج حد ادني منه ولا بساعات معينه تقضيها في مكان العمل ولم تكن تلتزم  بأي قيد من هذا القبيل ولم يكن الطاعن يلتفت اليها في هذا الصدد.

         والطعن بالسبب الاول مردود وذلك لان محامي الطاعن يحاول ان يجعل من عنصر الرقابة والاشراف معياراً للتمييز  بين عقد العمل المستمر وعقد العمل العرضي ،  ويقول في شرح ذلك ان المحكمة الموقرة لم تتوصل الي الاساس القانوني الصحيح الذي يفرق بين العمل المستمر والعمل العرضي فان الاساس القانوني يكمن في واقعة ما اذا كان صاحب العمل يباشر هيمنة ورقابة علي العامل الذي يعمل له فنذهب في هذه الحالة الي القول بان العمل ذو صفة مستمرة اما في حالة انعدام الهيمنة أو الرقابة المستمرة فان العمل لاشك ذو صفة عرضية مهما طال امد التعامل بين الطرفين ويبين من هذا القول ان الطاعن قد تخل عن دفاعه في الدعوى بان العقد عقد مقاولة وليس عقد عمل ولجأ في اسباب الطعن الي الاعتماد علي التمييز بين العمل المستمر والعمل العرضي ، وفي مجال التفرقة بين الاستمرار والعرضية في العمل لا محل لاثارة الاشراف والرقابة ، وذلك لان لاشراف والرقابة من خصائص عقد العمل الاساسية ويستوي في ذلك عقد العمل المستمر أو العرضي . ومن ثم فأن توافر عناصر الرقابة والاشراف قد تصلح معيارا للتميز بين عقد العمل وعقد المقاولة ولكنها لاتصلح اساساً للتفرقة بين انواع عقود العمل المختلفة . أنظر السابقة حسن الامين الصافي  ضد عبدالرضي مدني المجلة القضائية 1970 صفحة 73 . فالواضح من الحجة التي اثارها محامي الطاعن انها تنطوي علي تسليم بان العلاقة بين الخصوم هي عقد عمل الا انه يسوق انعدام توافر الرقابة والاشراف كقرينة دالة علي ان العمل عرضى ولي مستمرا . وهذا الدفع لايقوم علي سند قانوني ذلك لان العامل الذي ينتظم في العمل بصفة مستديمة وفقا لشروط محددة من ناحية ساعات ومواعيد العمل والاجر لايصبح عاملا عرضيا لمجرد عدم ممارسة الاشراف والرقابة عليه من جانب رب العمل . كما ان وجود الاشراف والرقابة لاينهض دليلا علي ان العمل مستمر اذا كانت كل الدلائل تشير الي انه عرضي . هذا وحتي لو فرضنا جدلا ان وجود الاشراف او انعدامه يصلح معيارا لمثل هذه التفرقة والأمر علي خلاف ذلك فان الادله الواردة بملف الدعوى تثبت ان الاشراف موجود ويمارسه الطاعن عن طريق رئيسة العمال أم سعيدة علي شاهدة الادعاء الأولي وعبدالقاضي الشيخ شاهد الدفاع الاول .

        ومؤدي الوجه الثاني من أوجه الطعن ان الحكم المطعون فيه لم ياخذ في الاعتبار كل العوامل التي تكيف وتحكم العرقة بين الطرفين بل أكتفي بواقعة فردية اسس عليها قضاءه بان عمل المطعون ضدها مع الطاعن كان عملا مستمرا طوال المدة التي ظلت فيها في خدمته ويبين من الاطلاع علي الحكم المطعون فيه انه استند في قضائه في المقام الاول علي واقعة استمرار العمل طوال العام ماعدا فترة الخريف واستنبط من هذه واقعة ان عمل المطعون ضدها كان مستمرا وليس عرضيا وهذا النهج في تقديرنا غير سليم ذلك لان المحكمة اغفلت خصوصية العلاقة بين الطرفين واعتدت علي العموميات فقد يكون العمل في حد ذاته مستمرا ومنتظما طوال العام غير ان ذلك لايعني بالضرورة ان كل المنتظمين في سلك هذا العمل يعملون بصفة مستمرة . فقد تكون خدمة بعض العمال مستمرة وخدمة البعض عرضية ومؤقته ومتقطعة ، ومن ثم يتحتم  عليها من اجل الوصول الي تكييف العلاقة التي تربط بين الخصوم الالمام وامعان النظرفي خصوصيات تلك العلاقة ،و قد جاء  في السابقة القضائية باسلي بشارة ضد عبدالله محمد عمر المجلة القانونية لسنة 1967 صفة 118 وهي نفس السابقة التي اعتمدت عليها محكمة الاستئناف مامؤداه أن كل حالة ينبغي النظر فيها حسب ظروفها ومن اجل الوصول الي قرار سليم حول استمرار العمل أو انقطاعه بسبب الغياب.

       والثابت من الادلة الواردة بملف الدعوى ان المطعون ضدها ليست عليها اي التزامات محدده قبل الطاعن فهي غير ملزمه بشروط خدمة معينة تحدد ساعات عملها ومواعيد حضورها وانصرافها ، وهي قد تذهب للعمل أو لا تذهب وفق هواها. ولايترتب علي غيابها أي جزاء فهي ليست ملزمة بالعمل بانتظام او الحضور في أي تاريخ يناسبها  ، هذا كما أن الطاعن بدوره غير ملزم بتعيينها في بداية كل موسم او بتوفير العمل لها يومياً ، واستمرار عملها او انقطاعه مرهون بتوافر المواد الخام.

       هذه الوقائع واضحة ومدعمة بالادلة وفي حقيقة الامر ليست محل نزاع ، فالمطعون ضدها ذكرت في أقوالها علي اليمين (نشتغل حتي شهر يوليو ويرسل لنا للشغل في  شهر سبتمبر ، الشغل حسب ما أنتج وليست ملزمة بكمية معينه . اذا تغيبت عن العمل لا أسال ، جيت للشغل بواسطة رئيسة العمال والتي كانت تلقط العمال) وقد جاءت افادة شاهدتها أم سعيدة علي رئيسة العمال في هذا المعني اذ ذكرت ( انا رئيسة العمال انا اشغل النسوان من منازلهن .............انا بجمع البنات للشغل عندما يكون الشغل كثير نلم العمال . اذا تغيبت واحدة من الشغل لايعملوا لها أي شي ، اذا قضيت اربعة شهور ورجعت تشتغل ، اذا عملت شوية وقالت ماعايزه تشتغل نصر فها وتمشي ) ولم تخرج افادة بقية شهود المطعون ضدها من هذا المعني ، ويبن من ذلك عدم وجود اي التزامات متبادلة بين طرفي العقد ، فليس علي المطعون ضدها اي التزام بان تحضر للعمل وفق شروط ومواعيد معينة بل ليس عليها اي التزام بان تعمل علي وجه الاطلاق فهي تعمل اذا رغبت وتنقطع عن العمل اذا شاءت دون ان تتعرض لاي مساءلة او جزاء لان الطاعن هو الذي يجرى وراء العمال ويجلبهم من منازلهم حين يكون لديه عمل ويبين من ذلك ان العلاقة التي تربط بين الطرفين علاقة متقطعة تتوقف علي رغبة المطعون ضدها في مواصلة العمل وفي توافر العمل لدي الطاعن ولما كان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر حين قضي بان خدمة المطعون ضدها لدي الطاعن خدمة مستمرة فانه يكون قد خالف القانون وتوصل الي نتيجة لاتقود اليها عقلا البينات الواردة بملف الدعوى مما يتعين نقضه والزام الطاعن بالرسوم ورد الكفالة.

 



/ ( 1974) مجلة الاحكام القضائية السودانية – صفحة 70[1]