المحكمة العليا
الأطراف :
الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي الطاعنة
ضد
أحمد الريح أحمد المطعون ضده
م ع /إذن/123/1983م
قانون دولي عام – المؤسسة الاستثمارية الدولية – ليست شخصاً من أشخاص القانون الدولي العام.
المبدأ:
المؤسسة الاستثمارية الدولية ليست شخصاً من ـأشخاص القانون الدولي العام فهي تتمتع فقط بالحصانات والامتيازات التي تسبغها عليها الاتفاقية المنشئة لها.([1])
الحكم:
21/2/1983م:
القاضي د. علي إبراهيم الإمام:
هذا طلب للإذن يتقدم به الأستاذ عبد الصادق محمد عبد الصادق المحامي للسماح له للطعن في حكم محكمة استئناف الخرطوم الذي شطبت بمقتضاه طلب الاستئناف الذي تقدم به ضد حكم قاضي مديرية الخرطوم المؤيد لقرار قاضي محكمة العمل بالخرطوم بحري والقاضي بشطب الدفع المبدئي الذي أثاره مقدم هذا الطلب . ويؤسس طلب الطعن على ما يلي:-
أولاً:
تنص اتفاقية إنشاء الهيئة المدعى عليها الطاعنة في مادتها الرابعة على أن تكون للهيئة شخصية قانونية دولية وتتمتع بالاستقلال إداري والمالي . وبما أن الهيئة الطاعنة قد أنشئت بموجب اتفاقية دولية أطرافها دول ذات سيادة فإنها تعتبر شخصاً من أشخاص القانون الدولي مما يجعلها محكومة في تعاملها مع الغير بالقانون الدولي بالإضافة إلى نصوص الاتفاقية التي أنشئت بمقتضاها وهي بهذه الصفة تماثل الدول ذات السيادة وبما أنها شخص من أشخاص القانون الدولي فهي لا تخضع للقانون المحلي بدون رضائها وموافقتها.
ثانياً:
أشخاص القانون الدولي لا يحصرون في الدول ذات السيادة فقط ، إذ يشمل الهيئات الدولية ، ويجوز اكتساب الشخصية الدولية بالنص على ذلك في وثيقة إنشاء الهيئة المعنية كما هو الحال في المادة الرابعة بالنسبة للمدعى عليها الطاعنة.
ثالثاً:
لقد قبلت المحاكم السودانية المبدأ القائل بعدم خضوع الدول ذات السيادة لسلطتها وهذا مبدأ ينسحب على المنظمات الدولية التي كأشخاص قانونية دولية.
رابعاً:
موضوع الحصانة الدبلوماسية أمر تختص به وزارة الخارجية التي يلزم اللجوء إليها واستفسارها ، ورأيها في هذا الشأن هو الرأي الفصل.
هذه هي خلاصة أسباب الطعن والذي تتحصل وقائعه في أن المدعى المطعون ضده كان يعمل خبيراً زراعياً بالهيئة الطاعنة التي انتهت خدماته معها بخطاب وجهته له في 13/8/1981م دون الحصول على موافقة مدير مصلحة العمل فرفع دعواه مطالباً بإعادته للعمل ودفع أجره عن مدة إيقافه أو بالتعويض تأسيساً على أن إنهاء عقد عمله كان فصلاً تعسفياً ومخالفاً لقانون علاقات العمل الفردية لسنة 1981م. وقد صرحت الدعوى وأعلنت المدعى عليها بالجلسة المحددة لها . وفي تلك الجلسة أثار محامي المدعى عليها دفعاً مبدئياً خلاصته عدم خضوع الهيئة المدعى عليها للقوانين المحلية وللمحاكم السودانية بطلان الإعلان الذي صدر إليها . وقد قضت المحكمة برفض هذا الدفع ورأت السير في إجراءات الدعوى ووجهت المدعى عليها بتقديم دفعها الموضوعي . ومن ثم تلاحقت الاستئنافات التي انتهت بطلب الأذن المقدم لهذه المحكمة والذي يبنى على سبب واحد هو عدم خضوع المدعى عليها لسلطة المحاكم السودانية والقوانين المحلية للأسباب سالفة الذكر . لذا فليس هناك ما يدعو لمناقشة الدفع القائم على بطلان الإعلان واستئناف القرار الخاص به في هذه المرحلة – أي في المرحلة التي تسبق النهو من إجراءات المحاكمة . أيضاً قد يغنينا عن مناقشة ذلك الدفع ما سوف يقال عن الدفع الآخر.
بفحص لاتفاقية مقر الهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي (المدعى عليها) وكذلك على وثائقها القانونية وهي اتفاقية إنشائها ونظامها الأساسي والاتفاق الخاص بنشاطها في السودان تبين لي أنها عبارة عن مؤسسة استثمارية تنموية أنشأتها الدول العربية وضمنها السودان بغرض تنمية الموارد الزراعية في هذه الدول وهي بهذه الصفة لا ترقى إلى أشخاص القانون الدولي ولا تستحق من الحصانات والامتيازات الدبلوماسية لها وللعاملين بها إلا ما ورد به نص صريح في وثائقها وقد تضمنت هذه الوثائق النصوص ما يحكم مسألة الامتيازات الدبلوماسية و الحصانات فيما يلي:-
1- تنص المادة الثانية (أ) من اتفاقية مقر الهيئة على حرمة مبانيها وعدم جواز دخول المواطنين العموميين لها بغرض مباشرة مهام وظائفهم بدون إذن كتابي من رئيس الهيئة ، كما تمنح المادة الثالثة عشرة من اتفاقية المقر حصانة قضائية للموظفين العاملين بالهيئة من غير السودانيين.
2-وقد نصت المادة الرابعة (2) من اتفاقية إنشاء الهيئة على الآتي:-
يجوز للهيئة أن تحوز الأموال المنقولة والثابتة وأن تتملكها وأن تباشر كافة التصرفات القانونية وأن تقاضي باسمها الخاص.
" كما نصت المادة الخامسة من اتفاقية الإنشاء على خضوع الهيئة في المسائل التي لم يرد بشأنها حكم في الاتفاقية للمبادئ المشتركة في قوانين الدول المتعاقدة والمبادئ المعترف بها في القانون الدولي.
وقد حصرت الفقرة الأولى من المادة السابعة من اتفاقية الإنشاء والحصانات والامتيازات والمزايا والتسهيلات الممنوحة للهيئة فيما هو منصوص عليه في الاتفاقية أو الاتفاق الأساسي المرفق بها والخاص بنشاط الهيئة في السودان ولم يرد ضمن هذ النصوص نص يعفي الهيئة من المقاضاة أمام المحاكم السودانية أو يحجب عنه ولاية هذه المحاكم . وعلى النقيض من ذلك فقد ورد في الفقرة الثانية عشرة من المادة الثانية ما يفهم منه ولاية المحاكم السودانية وبسط سلطاتها على تصرفات الهيئة الاستثمارية ونشاطاتها التجارية والتعاقدية إذ نصت هذه المادة على الآتي :-
" لا ترد على أموال الهيئة في الدول المتعاقدة المصادرة أو نزع الملكية أو الاستيلاء أو الحراسة أو الحجز إلا تنفيذاً لحكم نهائي صادر من جهة قضائية مختصة".
3-أيضاً نصت المادة الثانية عشرة من الاتفاق الأساسي للهيئة على الآتي:-
" في كل ما لم يرد بشأنه حكم خاص في اتفاقية إنشاء الهيئة وملحقها وهذا الاتفاق الأساسي وما قد يبرم من اتفاقيات تطبيقاً للمادة (8) منه تخضع شركات الهيئة التي تؤسس وتتخذ مركزها الرئيسي في جمهورية السودان الديمقراطية لأحكام القانون السوداني " .
4-وأخيراً وليس أخرا فقد نصت الفقرة الثالثة من المادة السادسة عشرة من اتفاقية الإنشاء في إيجاز ووضوح على الآتي:-
" وتخضع الهيئة في جميع منازعاتها غير المنصوص عليها في القانون في الفقرتين السابقتين للجهات القضائية المختصة في الدول المتعاقدة ".
في ضوء هذه النصوص نستعرض في إيجاز ما قال به بعض فقهاء القانون الدولي وشراحه فيما يختص باكتساب الهيئات الدولية لشخصية قانونية محكومة بنظم وقواعد القانون الدولي العام وكذلك ما قال به هؤلاء الشراح فيما يتعلق بالامتيازات و الحصانات القضائية للمؤسسات الاستثمارية والتمويلية كالمصارف التي تنشئها بعض الدول بغية تنمية مواردها وتطوير اقتصادها ، قال دكتور بويت في مؤلفه قانون المؤسسات الدولية:
It seems that whilst specific acknowledgement of the possession of international personality is extremely rare, it is permissible to assume that most organizations created by a multilateral inter-governmental agreement will, so far as they are endowed with functions on the international plane, possess some measures of international personality in addition to the personality within the systems of municipal law of the members which all the agreements on privileges and immunities (and often the basic constitution) provide for. Possession of such international personality will normally involve, as a consequence, the attribution of power to make treaties, of privileges and immunities, of power to contract and to undertake legal proceedings.
See: D. W. Bowett, the Law on International Institution, 3d. ed. (1975) at p. 302.
ويقول دكتور بويت من الصعوبة بمكان القول إن الحصانات والامتيازات تكفلها قواعد القانون الدولي للمؤسسات والهيئات الدولية حتى ولو كانت تلك الهيئات في مصاف هيئة الأمم المتحدة ولكنه يرى أن الدول التي تقبل وجود تلك الهيئات في أراضيها ملزمة بموجب مبدأ حسن النية أن تمنح تلك المؤسسات والهيئات من الحصانات والامتيازات ما يمكنها من أداء أعمالها والقيام بواجباتها تحقيقاً لأهدافها . فهو يقول في مؤلفه سابق الذكر في صحيفة 310 في هذا المعنى:-
Whilst it may be difficult to argue that privileges and immunities vest by virtue of a rule of customary international law, as is the case with diplomatic privileges and immunities , it may well be that once a state has consented to the presence of the United Nations on its territory for a particular purpose it is bound, by the principle of good faith, to extend all such privileges and immunities as are necessary for the proper functioning of the UN and achievement of that purpose . The same argument would be valid for any international organization
وفيما يتعلق بالقانون الواجب التطبيق على معاملات المؤسسات ذات المركز الدولي يقول دكتور بويت في صحيفة 325 من مؤلفه الذي سبقت الإشارة إليه:-
The attribution to an international organization of legal personality both under international and municipal law, should not be allowed to obscure the fact that there is no single, comprehensive body of law to govern its transactions and activities unlike the corporation in private law which has a personal law (whether based on the test of place of control or siege social, the international; corporation has in general no personal law or law of incorporation , it is of course, open to an organization to adopt a specific system of municipal law for this purpose, this was done in the case of the Bank for International Settlement incorporated under Swiss law.
كذلك يفضل بروفسر اوكنيل Professor O. Connell . في مؤلفه القانون الدولي International Law في باب الشخصية في القانون الدولي تطبيق القانون المحلي للدولة التي تمارس المنظمة فيها أعمالها.
“ The municipal law of the state in which the organization is acting “.
ورداً على القول بأن الهيئة مقدمة الطلب (المدعى عليها) شخص من أشخاص القانون الدولي الذين يكتسبون الحصانة والامتيازات الدبلوماسية بهذه الصفة دون سواها واستناداً على قواعد القانون الدولي يكفي أن نورد في إيجاز ما ذكره العالمان بروفسر فريدمان وبروفسر بيتزك حول اكتساب الشخصية القانونية . يقول بروفسر فريدمان:
Professor Fredmann
The legal status of an international organization at the present time is based on the multi-national principle, i.e., on the agreement between the treaty making parties to confer full juridical status within their jurisdiction on the international organization concerned. Legal personality is thus detached from the dependence on the law of any one country, although the implementation of its legal capacity must, of necessity, be determined by the laws of the State in whose jurisdiction it has to be exercised.
ويقول بروفسر بيتزك : Professor Beitizke
Within the individual systems of law personality is granted only by the individual legal systems ............In sum, there does not exist an international or supranational, but a plurinational personality of international organization and institutional.
وفي تعليق على هذا الرأي يقول F. A. Mann في كتابه دراسات في القانون الدولي:-
Studies in International Law (1973) P. 568
This view seems to involve the conclusion that in non-member states an international corporation cannot have any claim to existence at all that in member states it has the legal position defined by such provisions of the treaty as are adopted by the local law.
ويقول مان F. A. mann في كتابه سالف الذكر في صفحتي 569 و570 :-
Whether or not a body exists as a legal person in a question which in many countries depends on the presence or absence of recognition, but subject to local practice on this point, depends on public international law, that is to say, usually, on the interpretation of the treaty of the international organization’s constitution.
فهو يرى أن المسألة تحكمها الاتفاقية المنشئة للهيئة كمصدر من مصادر القانون الدولي ويقسم ما يعرف بالشركات العالمية International Companies إلى ثلاثة أقسام أولها الشركات التجارية العادية التي لها أفرع في أكثر من قطر كشركة شل أو جنرال موترز أو سيف وى وثانيها المؤسسات التي تنشا في ظل القانون الوطني لدولة ما ولكنها تنشأ باتفاق بين عدد من الدول وثالثها الهيئات التي تنشئها بعض الدول باتفاقية في ظل القانون الدولي والتي لا تعتمد في وجودها ونشأتها على القانون الوطني . ويهمنا عنا النوع الثاني والثالث ذلك النوع لأن النوع الأول قاصر على البيوتات التجارية العادية التي تخضع خضوعاً كاملاً لولاية المحاكم المحلية وربما القوانين المحلية . بالنسبة للنوع الثاني يقول مان F. A. Mann في مؤلفه دراسات في القانون الدولي في صفحة 555 .
It is submitted, though not without diffidence, that such a company is a national rather than an international corporation. Though the company is primarily subject to the convention. Though its status cannot be freely amended an though it is in many respects immune from control by the local sovereign, it is his law that brings the company in to existence and retains some measure of authority and supervision over it ....... In such circumstances it does not seem possible to suggest that the company is so completely outside any municipal law as to be truly international corporation.
أما عن النوع الثالث فيقول مان F.A. Mann في ص 557 أن هذه المؤسسات تعمل في مستوى القانون الوطني والدولي.
Operates on the level of both international and notional law. Thus it enters into treaties with states and also into contracts with the printers who print its stationery.
ومع أن هذه الهيئات تعمل في مستوى القانون الدولي إلا أن هذا لا يعني أنها أشخاص من أشخاص القانون الدولي وتعامل بمثل ما تعامل الدول. وفي هذا المعنى يقول مان F. A. Mann في صفحة 559 :
On the one hand, this does not mean that an international corporation is subject to international law in the same sense and to the same extent as a state; to hold an organization to be international person, is not the same thing as saying that it is a state which it certainly is not, or that its legal personality and rights and duties are the same as those of state .... On the other hand, the international corporation’s dependence upon and submission to public international law does not mean that it exists entirely outside the realm of municipal law. No doubt, like the state it many and, indeed it must enter into contracts governed by municipal law; moreover, rules of municipal law may provide an analogy and lead to the acceptance of a general principle recognized by civilized nations.
ويرى مان F. A. Mann صحة الرأي القائل بتحديد طبيعة ووضع الهيئة الدولية في القانون المحلي في ضوء ذلك القانون وليس في ضوء القانون الدولي العام.
No fault can be found with the frequently proclaimed view that the status of an international corporation in municipal law in determined, not by public international law, but by the municipal law of each state. Unless the treaty is part of the municipal law of the state concerned, it is the conflict rule of such municipal legal system that points to the applicable substantive law.
أيضاً يرى مان F. A. Mann مثل ما يرى الآخرون أن الأمر كله تحكمه الاتفاقيات والوثائق المنشئة للهيئة الدولية وحينما تحدد الاتفاقية وملحقاتها الامتيازات والحصانات المكفولة للهيئة لا يجوز التوسع في هذه الحصانات والامتيازات الدبلوماسية بإضافة حصانات وامتيازات أخرى استناداً إلى قواعد العرف الدولية أي استناداً إلى مبادئ القانون الدولي العام.
“ Where the international corporation’s constitution enumerates its immunities and privileges the list is exhaustive and customary international law cannot be invoked to extend it “.
F. A. Mann, Studies In International Law, PP. 585-6.
هذا القول رأي سديد ويتفق مع مبادئ القانون الدولي العام التي تعتبر الاتفاقيات الدولية مصدراً أساسياً من مصادر ذلك القانون . وبالرجوع إلى اتفاقية مقر الهيئة الطاعنة واتفاقية إنشائها وبقية الوثائق الخاصة بها يتضح بجلاء مما سبق سرده واستعراضه من نصوص أن الحصانات والامتيازات التي منحت لها لم تكفل لها حصانة قضائية تحجب عنها ولاية القضاء في السودان.
مجمل القول أن الهيئة الطاعنة كمؤسسة استثمارية تنموية دولية لا تعتبر شخصاً من أشخاص القانون الدولي بالصورة والكيفية التي تقرر بها الشخصية الدولية للدول ذات السيادة ، وأن ما تستحقه من حصانة وامتيازات دبلوماسية تقرره وتحدده الاتفاقيات المنشئة لها والخاصة بها وهذه الاتفاقيات عندما تنص على هذه الامتيازات الدبلوماسية تحددها بصورة شاملة وقاطعة فليس هناك مجالاً للقول بإضافة امتيازات و حصانات أخرى بمقولة أن تلك الحصانات تكفلها المبادئ العامة للقانون الدولي العام.
لكل ما تقدم من أسباب يشطب هذا الطلب إيجازياً وتعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في إجراءاتها .